{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ}
عطف على قوله: {ولا تحسبن الذين قتلوا فِي سبيل الله أمواتاً} [آل عمران: 169] والمقصود مقابلة الإعلام بخلاف الحسبان فِي حالتين: إحداهما تلوح للناظر حالة ضرّ، والأخرى تلوح حالة خير، فأعلم الله أن كلتا الحالتين على خلاف ما يتراءى للناظرين.
ويجوز كونه معطوفا على قوله: {ولا يحزنك الذين يسارعون فِي الكفر} [آل عمران: 176] إذ نهاه عن أن يكون ذلك موجباً لحزنه، لأنهم لا يضرّون الله شيئاً، ثم ألقى إليه خبراً لقصد إبلاغه إلى المشركين وإخوانهم المنافقين: أن لا يحسبوا أن بقاءهم نفع لهم بل هو إملاء لهم يزدادون به آثاماً، ليكون أخذُهم بعد ذلك أشدّ. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 290}
فصل
قال الفخر:
اعلم أنه تعالى حكى عن الذين ذهبوا إلى المدينة لتثبيط أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم إنما ثبطوهم لأنهم خوفوهم بأن يقتلوا كما قتل المسلمون يوم أحد، والله تعالى بين أن أقوال هؤلاء الشياطين لا يقبلها المؤمن ولا يلتفت إليها، وإنما الواجب على المؤمن أن يعتمد على فضل الله، ثم بين فِي هذه الآية أن بقاء هؤلاء المتخلفين ليس خيرا من قتل أولئك الذين قتلوا بأحد، لأن هذا البقاء صار وسيلة إلى الخزي فِي الدنيا والعقاب الدائم فِي القيامة، وقتل أولئك الذين قتلوا يوم أحد صار وسيلة إلى الثناء الجميل فِي الدنيا والثواب الجزيل فِي الآخرة، فترغيب أولئك المثبطين فِي مثل هذه الحياة وتنفيرهم عن مثل ذلك القتل لا يقبله إلا جاهل.
فهذا بيان وجه النظم. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 9 صـ 86}
[فائدة]
قال ابن عاشور:
وقرأه الجمهور {ولا يَحسبنّ الذين كفروا} بياء الغيبة وفاعلُ الفعل (الذين كفروا) ، وقرأه حمزة وحده بتاء الخطاب.
فالخطاب إما للرسول عليه السلام وهو نهي عن حسبان لم يقع، فالنهي للتحذير منه أو عن حسبان هو خاطر خطر للرسول صلى الله عليه وسلم غير أنّه حسبان تعجّب، لأنّ الرسول يعلم أنّ الإملاء ليس خيراً لهم، أو المخاطب الرسول والمقصود غيره، ممّن يظنّ ذلك من المؤمنين على طريقة التعريض مثل {لئن أشركت ليحبطنّ عملك} [الزمر: 65] ، أو المراد من الخطاب كلّ مخاطب يصلح لذلك.
وعلى قراءة الياء التحتية فالنهي مقصود به بلوغه إليهم ليعلموا سوء عاقبتهم، ويُمِرَّ عيشهم بهذا الوعيد، لأنّ المسلمين لا يحسبون ذلك من قبل. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 290}