فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 92858 من 466147

[من روائع الأبحاث]

(فصل)

قال السُّهْرَوَرْدي:

واختلف الناس في ماهية العقل، والكلام في ذلك يكثر، ولا نؤثر نقل الأقاويل، وليس ذلك من غرضنا، فقال قوم: العقل من العلوم؛ فإن الخالي من جميع العلوم لا يوصف بالعقل، وليس العقل جميع العلوم؛ فإن الخالي عن معظم العلوم يوصف بالعقل. وقالوا: ليس من العلوم النظرية، فإن من شرط ابتداء النظر تقدم كمال العقل؛ فهو إذن من العلوم الضرورية وليس هو جميعها، فإن صاحب الحواس المختلة عاقل وقد عدم بعض مدارك العلوم الضرورية.

وقال بعضهم: العقل ليس من أقسام العلوم؛ لأنه لو كان منها لوجب الحكم بأن الذاهل عن ذكر الاستحالة والجواز لا يتصف بكونه عاقلاً في كثيرر من أوقاته ذاهلاً وقالوا: هذا العقل صفة يتهيأ بها درك العلوم.

ونقل عن الحارث بن أسد المحاسبي وهو من أجلّ المشايخ أنه قال: العقل غريزة يتهيأ بها درك العلوم، وعلى هذا يتكرر ما ذكرناه في أول ذكر العقل: أنه لسان الروح؛ لأن الروح من أمر الله، وهي المتحملة للأمانة التي أبت السماوات والأرضون أن يحملنها، ومنها يفيض نور العقل وفي نور العقل تتشكل العلوم؛ فالعقل للعلوم بمثابة اللوح المكتوب، وهو بصفته منكوس متطلع إلى النفس ومنتصب مستقيم تارة، فمن كان العقل فيه منكوساً إلى النفس فرقه في أجزاء الكون وعدم حسن الاعتدال بذلك وأخطأ طريق الاهتداء، ومن انتصب العقل فيه واستقام: تأيد العقل بالبصيرة التي هي للروح بمثابة القلب. واهتدى إلى المكون، ثم عرف الكون بالمكون: مستوفياً أقسام المعرفة بالمكون والكون؛ فيكون هذا العقل عقل الهداية؛ فكما أحب الله إقباله في أمر دله على إقباله عليه، وما كرهه الله في أمر دله على الإدبار عنه؛ فلا يزال يتبع محاب الله تعالى ويجتنب مساخطه، وكلما استقام العقل وتأيد بالبصيرة كانت دلالته على الرشد ونهيه عن الغي.

قال بعضهم: العقل على ضربين: ضرب يبصر به أمر دنياه، وضرب يبصر به أمر آخرته، وذكر أن العقل الأول من نور الروح، والعقل الثاني من نور الهداية؛ فالعقل الأول موجود في عامة ولد آدم، والعقل الثاني موجود في الموحدين مفقود من المشركين.

وقيل: إنما سمي العقل عقلاً لأن الجهل ظلمة، فإذا غلب النور بصره في تلك الظلمة زالت الظلمة فأبصر فصار عقالاً للجهل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت