قال ابن عطية: والحقّ أن معنى هذا الحديث على التشبيه، كقوله:"ليس الشديد بالصرعة"وقوله:"ليس المسكين بهذا الطّواف الذي تردّه اللقمة واللقمتان"، أي وكقوله صلى الله عليه وسلم"رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر".
وأعقب هذا الأمر بالأمر بالتقوى لأنّها جماع الخيرات وبها يرجى الفلاح. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 317 - 319}
فصل
قال الطبري:
وأولى التأويلات بتأويل الآية، قول من قال فِي ذلك:"يا أيها الذين آمنوا"، يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله،"اصبروا"على دينكم وطاعة ربكم. وذلك أنّ الله لم يخصص من معاني"الصبر"على الدين والطاعة شيئًا، فيجوز إخراجه من ظاهر التنزيل. فلذلك قلنا إنه عني بقوله:"اصبروا"، الأمرَ بالصبر على جميع معاني طاعة الله فيما أمر ونهى، صعبها وشديدها، وسهلها وخفيفها.
"وصابروا"، يعني: وصابروا أعداءكم من المشركين.
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن المعروف من كلام العرب في"المفاعلة"أن تكون من فريقين، أو اثنين فصاعدًا، ولا تكون من واحد إلا قليلا فِي أحرف معدودة. فإذْ كان ذلك كذلك، فإنما أمر المؤمنون أن يصابروا غيرهم من أعدائهم، حتى يظفرهم الله بهم، ويعلي كلمته، ويخزي أعداءهم، وأن لا يكون عدوُّهم أصبر منهم.
وكذلك قوله:"ورابطوا"، معناه: ورابطوا أعداءكم وأعداء دينكم من أهل الشرك، فِي سبيل الله.
ورأى أن أصل"الرباط"، ارتباط الخيل للعدوّ، كما ارتبط عدوهم لهم خيلهم، ثم استعمل ذلك فِي كل مقيم فِي ثغر يدفع عمن وراءه من أراده من أعدائهم بسوء، ويحمي عنهم من بينه وبينهم ممن بغاهم بشر، كان ذا خيل قد ارتبطها، أو ذا رَجْلة لا مركب له.