قال - رحمه الله:
{لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ}
أَقُولُ: قَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ بَعْضَ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا: إِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ مَا وَعَدَ اللهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّصْرِ، وَالظَّفَرِ، وَأَنَّنَا اخْتَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ ذَلِكَ، وَمَا وَعَدَ مِنْ ثَوَابِ الْآخِرَةِ. وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، رُبَّمَا يَسْتَبْطِئُ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ إِيتَاءَهُمُ الْوَعْدَ الْمُتَعَلِّقَ بِالنَّصْرِ، وَالتَّغَلُّبَ عَلَى الْكَافِرِينَ الظَّالِمِينَ كَمَا يَدُلُّ قَوْلُهُ - تَعَالَى: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ [2: 214] فَجَاءَ قَوْلُهُ - تَعَالَى: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ الْآيَةَ، تَسْلِيَةً لَهُمْ، وَبَيَانًا لِكَوْنِ الْإِمْلَاءِ لِلْكَافِرِينَ، وَاسْتِدْرَاجُهُمْ
لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَدْعَاةً لِيَأْسِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا حُجَّةً لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالُوا عِنْدَ الشِّدَّةِ: مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [33: 12] ، فَهَذَا وَجْهٌ فِي اتِّصَالِ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا فِي تَرْتِيبِ الْآيَاتِ الشَّرِيفَةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ - تَعَالَى - لَمَّا وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ بِالثَّوَابِ الْعَظِيمِ، وَكَانُوا فِي الدُّنْيَا فِي نِهَايَةِ الْفَقْرِ وَالشِّدَّةِ، وَالْكُفَّارُ كَانُوا فِي النِّعَمِ، ذَكَرَ اللهُ - تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا يُسَلِّيهِمْ، وَيُصَبِّرُهُمْ عَلَى تِلْكَ الشِّدَّةِ.