فإن قلت: كيف جاز أن يغتر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك حتى ينهي عن الاغترار به؟
قلت: فيه وجهان أحدهما أن مدرة القوم ومتقدّمهم يخاطب بشيء فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعاً، فكأنه قيل: لا يغرنكم والثاني: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غير مغرور بحالهم فأكد عليه ما كان عليه وثبت على التزامه، كقوله: {وَلاَ تَكُنْ مع الكافرين} [هود: 42] ، {وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين} [الأنعام: 14] ، {فَلاَ تُطِعِ المكذبين} [القلم: 8] وهذا فِي النهي نظير قوله فِي الأمر {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] ، {يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ءامِنُواْ} [النساء: 36] وقد جعل النهي فِي الظاهر للتقلب وهو فِي المعنى للمخاطب، وهذا من تنزيل السبب منزلة المسبب، لأنّ التقلب لو غرّه لاغتر به، فمنع السبب ليمتنع المسبب. انتهى انتهى. {الكشاف حـ 1 صـ 457 - 458}
قال أبو حيان:
وملخص الوجهين اللذين ذكرهما: أن يكون الخطاب له والمراد أمّته، أو له على جهة التأكيد والتنبيه، وإن كان معصوماً من الوقوع فيه كما قيل:
قد يهزّ الحسام وهو حسام ...
ويجب الجواد وهو جواد. انتهى انتهى. {البحر المحيط حـ 3 صـ 154}
فصل
قال القرطبي:
في هذه الآية وأمثالها كقوله: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ} [آل عمران: 178] الآية.
{وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [والقلم: 45] .
{أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ} [المؤمنون: 55] .
{سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} [القلم: 44] دليل على أن الكفار غير مُنْعَم عليهم فِي الدنيا؛ لأن حقيقة النعمة الخلوصُ من شَوائب الضررِ العاجلة والآجلة، ونعم الكفار مَشُوبَةٌ بالآلام والعقوبات، فصار كمن قدّم بين يدي غيرهِ حلاوة من عسل فيها السُّمّ، فهو وإن استلذّ آكله لا يُقال: أُنعِم عليه؛ لأن فيه هلاك روحه.