(فصل)
قال السُّهْرَوَرْدي:
روى داود بن صالح قال: قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي، هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية {اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ} ؟
قلت: لا، قال: يا ابن أخي، لم يكن في زمن رسول الله غزو يربط فيه الخيل، ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة، فالرباط لجهاد النفس والمقيم في الرباط مرابط مجاهد نفسه. قال الله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} (الحج: الآية 78) قال عبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى وذلك حق الجهاد، وهو الجهاد الأكبر. على ما روي في الخبر أن رسول الله قال حين رجع من بعض غزواته: «رَجَعْنَا مِنَ الجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الجِهَادِ الأَكْبَرِ» .
وقيل: إن بعض الصالحين كتب إلى أخ له يستدعيه إلى الغزو فكتب إليه: يا أخي كل الثغور مجتمعة لي في بيت واحد والباب علي مردود، فكتب إليه أخوه: لو كان الناس كلهم لزموا ما لزمته اختلت أمور المسلمين وغلب الكفار؛ فلا بد من الغزو والجهاد؛ فكتب إليه: يا أخي، لو لزم الناس ما أنا عليه وقالوا في زواياهم على سجاداتهم: الله أكبر، انهدم سور قسطنطينية.
وقال بعض الحكماء: ارتفاع الأصوات في بيوت العبادات بحسن النيات وصفاء الطويات يحل ما عقدته الأفلاك الدائرات؛ في اجتماع أهل الروابط أصح على الوجه الموضوع له الربط، وتحقق أهل الربط بحسن المعاملة ورعاية الأوقات وتوقي ما يفسد الأعمال واعتماد ما يصحح الأحوال عادت البركة على البلاد والعباد.
وقال سري السقطي في قوله تعالى: {اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ} اصبروا عن الدنيا رجاء السلامة، وصابروا عند القتال بالثبات والاستقامة، ورابطوا أهواء النفس اللوامة، واتقوا ما يعقب لكم الندامة (لعلكم تفلحون) غداً على بساط الكرامة.
وقيل: اصبروا على بلائي، وصابروا على نعمائي، ورابطوا في دار أعدائي واتقوا محبة من سوائي، لعلكم تفلحون غداً بلقائي. وهذه شرائط ساكن الرباط قطع المعاملة مع الخلق، وفتح المعاملة مع الحق، وترك الاكتساب اكتفاء بكفالة مسبب الأسباب، وحبس النفس عن المخالطات واجتناب التبعات، وعانق ليله ونهاره العبادة متعوضاً بها عن كل عادة، شغله حفظ الأوقات وملازمة الأوراد وانتظار الصلوات واجتناب الغفلات، ليكون بذلك مرابطاً مجاهداً. انتهى انتهى {عوارف المعارف، للسُّهْرَوَرْدي} ...