[من روائع الأبحاث]
(فصل: فضل عمل الْقلب على عمل اللِّسَان)
قال الحارث المحاسبي:
وَذَلِكَ أن اكْتِسَاب قُلُوب الْحُكَمَاء وأهل البصائر للخير أعمال خُفْيَة تخفى على إِبْلِيس وعَلى الْحفظَة فَهِيَ أعمال نقية من الْفساد زاكية قد حصلت مَعَ خفَّة مُؤنَة على أَهلهَا جزيلة الثَّوَاب مخلصات من عوارض الْعَدو وَمن هوى النَّفس
وَذَلِكَ لِأَنَّهَا أَعمال مستورة عَن أعين الْعباد خاملة لأن العَبْد يصل إِلَيْهَا قَائِما وَقَاعِدا ومضطجعا فَأُولَئِك هم أولو الْأَلْبَاب {الَّذين يذكرُونَ الله قيَاما وقعودا وعَلى جنُوبهم} وَأكْثر ذكرهم التفكر قَالَ تَعَالَى {ويتفكرون فِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض}
فهم أهل الإخمال من الْمُؤمنِينَ الَّذين عبدُوا الله عبَادَة لم تظهر مِنْهُم تصفية الْقلب عَن الْحِرْص على الدُّنْيَا
وتعاهد يَا أخي قَلْبك بِأَسْبَاب الْآخِرَة وَعرضه لذَلِك وصنه من أَسبَاب الدُّنْيَا وَمن ذكر يجر إلى الْحِرْص وَالرَّغْبَة
وَلَا تَأذن لقلبك فِي اسْتِصْحَاب مَا يعسر طلبه وينطفئ نور الْقلب من أجله وَكن فِي تأليف مَا بَينه وَبَين مَحْمُود العواقب حَرِيصًا وَخَوف نَفسك عُقُوبَة مَا فِي يَدَيْهِ من الدُّنْيَا وَقلة أدائك لما يجب عَلَيْك فِيهِ من الشُّكْر
واستكثر مَا فِي يَديك لما تعلم من ضعف شكرك فتشتغل النَّفس بِمَا فِي يَديهَا عَن الْفِكر فِي أَمر الدُّنْيَا والمحبة للزِّيَادَة مِنْهَا
فَإِذا أجممتها من ذكر الزِّيَادَة من الدُّنْيَا وحملتها على دَرَجَة الْخَوْف مِمَّا فِي يَديهَا قنعت ورضيت وعفت عَن طلب الدُّنْيَا بالحرص وَالرَّغْبَة وَرجعت إلى الْآخِرَة بالحرص عَلَيْهَا وَالرَّغْبَة فِيهَا فَإِن النَّفس مَبْنِيَّة على أساس الطمع.
ومخرج الْحِرْص وَالرَّغْبَة من الطمع وَبِنَاء الأنفس قَائِم على قَوَاعِد الطمع أما الطمع فِي الدُّنْيَا فيستعمل أَدَاة الطمع فِي طلب الزِّيَادَة من الدُّنْيَا أما الطمع فِي الآخرة فيستعمل أَدَاة الطمع فِي طلب الزِّيَادَة من أَعمال الآخرة بالحرص عَلَيْهَا وَالرَّغْبَة فِيهَا
قيل لحكيم فَمَا آله الطمع وجماع آفاته؟
قَالَ الشره والحرص وهيجان الرَّغْبَة فعلى أيها أوقعت النَّفس طمعها أحضرت أداتها وجمعت آلتها وجدت فِي طلبَهَا