ونفى عنهم الموت الحقيقي بقوله: {بل أحياء عند ربهم يرزقون} فعلِمنا أنّهم وإن كانوا أموات الأجسام فهم أحياء الأرواح، حياة زائدة على حقيقة بقاء الأرواح، غير مضمحلّة، بل هي حياة بمعنى تحقّق آثار الحياة لأرواحهم من حصول اللذات والمدركات السارّة لأنفسهم، ومسرّتهم بإخوانهم، ولذلك كان قوله: {عند ربهم} دليلاً على أنّ حياتهم حياة خاصّة بهم، ليست هي الحياة المتعارفة فِي هذا العالم، أعني حياة الأجسام وجريان الدم فِي العروق، ونبضات القلب، ولا هي حياة الأرواح الثابتة لأرواح جميع الناس، وكذلك الرزق يجب أن يكون ملائماً لحياة الأرواح وهو رزق النعيم فِي الجنّة.
فإن علّقنا {عند ربهم} بقوله: أحياء كما هو الظاهر، فالأمر ظاهر، وإن علقناه بقوله: {يرزقون} فكذلك، لأنّ هذه الحياة لمّا كان الرزق الناشئ عنها كائناً عند الله، كانت حياة غير مادّية ولا دنيويَّة، وحينئذ فتقديم الظرف للاهتمام بكينونة هذا الرزق. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 3 صـ 282 - 283}
فصل
قال القرطبي:
هذه الآية تدل على عظيم ثواب القتل فِي سبيل الله والشهادة فيه حتى أنه يكفر الذنوب؛ كما قال صلى الله عليه وسلم:"القتل فِي سبيل الله يكفّر كل شيء إلا الدّين كذلك قال لي جبريل عليه السلام آنفاً"قال علماؤنا ذِكر الدَّين تنبيه على ما فِي معناه من الحقوق المتعلقة بالذمم، كالغصب وأخذ المال بالباطل وقتل العمد وجِراحه وغير ذلك من التَّبِعات، فإن كل هذا أوْلى ألاّ يُغفَر بالجهاد من الدَّين فإنه أشد، والقصاص فِي هذا كله بالحسنات والسيئات حسبما وردت به السنَّة الثابتة.
روى عبد الله بن أُنَيْس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يحشر الله العباد أو قال الناس، شكَّ همّام، وأوْمَأَ بيده إلى الشام عُراة غُرْلا بُهْماً."