قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ(149) .
هذا هو المعنى المذكور فِي قوله: (إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ) ، لكنه لما ذكر هناك باللفظ العام وهو أهل الكتاب الواقع على مؤمنهم وكافرهم خصَّ فريقاً منهم.
فإن قيل: لم غيّر العبارتين؟ ولم كرر ذلك؟
قيل: إنه عرّض فِي الأول بالنهي، فلما بيّن أحوال المنهيّ عن
طاعتهم، ونبّه على فساد طريقتهم وإرادتهم الشر بالمسلمين أعاد
النهي عن طاعتهم مصرِّحًا، وهذه الطريقة يسلكها الوعظة
المهرة، فنهي الإِنسان عما يهواه إذا لم يعرف قبحه إغراء بفعله،
فحقٌّ للواعظ أن يتوصل أولاً إلى كشف قبحه، وما يعرض فيه
من الفساد، ثم يصرحُ بتحريمه، والنفي عنه.
وقول الحسن: إنه عنى بالذين كفروا: اليهود والنصارى.
وقول السدّي: إنه أراد المشركين أبا سفيان وأصحابه، فكلاهما صحيح.
فاللفظ عام، ومطاوعتهما ترد على الأعقاب وتورث الخسران.
قوله تعالى: (بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ(150)
لما تقرر فِي العقول: أن المولى يَعُزُّ بحسب عِزَّة مواليه.
وتقرر عند المسلمين أن الله هو العزيز فِي الحقيقة، وأن كل
عزيز فمنه وبه يَعزُّ، وقد كان نهاهم فِي الآية المتقدمة عن
موالاة الكفار، والدخول تحت طاعتهم بيّن، أن من
كان، الله مولاه فهو غني عنهم فهو خير مولى وناصر.
وهذا المعنى قد نبه تعالى عليه فِي مواضع بألفاظ كثيرة، نحو (نِعْمَ الْمَوْلَى) ، وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا) .
وفي لفظة بل تلطف وتنبيه أن من المحال أن يكون من تخصص
بموالاة الله، وعرف أن العزَّ منه أن يعتمد غيره أو يقصد سواه.