[من روائع الأبحاث]
(فصل آخر: من روائع الأدب العربي)
(حلم وأدب وسمو خلق)
قال البرقوقي:
روى المبرِّد: أنَّ رجلاً من أهل الشام قال: دخلت المدينة، فرأيت رجلاً راكباً على بغلةٍ لم أرَ أحسنَ وجهاً ولا سمتاً ولا ثوباً ولا دابةً، منه! فمال قلبي إليه، فسألت عنه فقيل لي: هذا الحسن بن عليِّ بن أبي طالب، فامتلأ قلبي له بُغْضاً وحَسَدْتُ علياً أن يكون له ابن مثلُه! فصرت إليه، فقلت له: أَأَنْتَ ابن أبي طالب؟ فقال: أنا ابن ابنه، فقلت فبِك وبأبيك أسبُّهما، فلما انقضى كلامي قال لي: أحْسِبك غريباً! قلت: أجل قال: فَمِلْ بنا فإن احتجت إلى منزلٍ أنزلناكَ، أو إلى مال آسيناك، أو إلى حاجةٍ عاوَنّاك، قال: فانصرفت عنه ووالله ما على الأرض أحدٌ أحبُّ إليَّ منه ...
وقال رجل لرجلٍ من قريش: إني مررت بقوم من قريش يشتمونك شتماً رَحِمْتك منه!
قال القُرشي: أفسمعتني أقول إلا خيراً؟ قال: لا، قال: إياهم فارْحَمْ ...
وقال ابن مسعود: إن الرجل ليظلمني فأرْحمه!
وقال رجل للشَّعبيِّ كلاماً أقذعَ له فيه، فقال له الشَّعبيُّ: إن كنْتَ صادِقاً فغفر اللهُ لي، وإن كنت كاذِباً فغفرَ اللهُ لك ... ويُرْوى أنه أتى مَسْجداً، فصادفَ فيه قوماً يغتابُونَه، فأخذ بِعَضادَتي البابِ ثم تمثل بقول كثير عزِّة:
هَنيئاً مَرِيئاً غَيْرَ داءٍ مُخامِرٍ ... لِعَزَّةَ مِنْ أعْراضِنا ما اسْتَحلَّتِ
وقال محمود الورّاق:
إني شَكَرْتُ لِظالمي ظُلْمي ... وغَفَرْتُ ذاك له على عِلْمي
ورَأيْتُه أسْدى إليَّ يَداً ... لمّا أبانَ بِجَهْلِه حِلْمي
رَجَعَتْ إساَءتُه علَيْه وإحْ ... ساني فَعادَ مُضاعَفَ الجُرْمِ
وغَدَوْتُ ذا أجْرٍ ومَحْمَدَةٍ ... وغَدا بِكَسْبِ الظُّلمِ والإثْمِ
فَكأنَّما الإحْسانُ كانَ لهُ ... وأنا المُسيءُ إليهِ في الحُكْمِ
ما زالَ يَظْلِمُني وأرْحَمُه ... حتّى بَكَيْتُ لهُ مِنَ الظُّلْمِ
فضل كظم الغيظ
يقال: كَظَمَ الرجلُ غَيْظَه يَكْظِمُه كَظْماً: ردَّه وحَبَسَه وتَجَرَّعَه. قال تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} قال بعض اللغويين: يَعني أعدَّتْ الجنةُ للذين جرى ذكرُهم وللذين يكظمون الغيظ
وفي الحديث: (ما مِنْ جُرْعةٍ يَتَجرَّعها الإنسانُ أعظمُ أجراً من جُرْعةِ غيظٍ في اللهِ عزَّ وجلّ)
وقالوا: الكَظْمُ يدفعُ مَحْذورَ الندم، كالماءِ يُطفئ حَرَّ الضَّرَم
وقال بعضهم: كَظمٌ يتردَّدُ في حلقي أحبُّ إليّ من نقصٍ أجدُه في خُلُقي