[من روائع الأبحاث]
(فصل)
قال السُّهْرَوَرْدي:
قال الله تعالى في وصف أصحاب رسول الله: {أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} (الفتح: الآية 29) وقال الله تعالى: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} (الأنفال: الآية 63)
والتودد والتآلف من ائتلاف الأرواح على ما ورد في الخبر الذي أوردناه «فما تعارف منها ائتلف قال الله تعالى: {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} (آل عمران: الآية 103) وقال سبحانه وتعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} (آل عمران: الآية 103) وقال عليه السلام: «المُؤْمِنُ آلِفٌ مَأْلُوفٌ، لاَ خَيْرَ فِيمَنْ لاَ يَأْلَفُ وَلاَ يُؤْلَفُ» .
وقال عليه السلام: «مَثَلُ المُؤْمِنَيْنِ إِذَا الْتَقَيَا مَثَلُ اليَدَيْنِ تَغْسِلُ إِحْدَاهُما الأُخْرَى، وَمَا الْتَقَى مُؤْمِنَانِ إِلاَّ اسْتَفَادَ أَحَدُهُما مِنْ صَاحِبِهِ خَيْراً»
وقال أبو إدريس الخولاني لمعاذ: إني أحبك في الله، فقال: أبشر ثم أبشر، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «يُنْصَبُ لِطَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ كَرَاسِيُّ حَوْلَ العَرْشِ يَوْمَ القِيَامَةِ وُجُوهُهُمْ كَالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ يَفْزَعُ النَّاسُ وَهُمْ لاَ يَفْزَعُونَ، وَيَخَافُ النَّاسُ وَهُمْ لاَ يَخَافُونَ، وَهُمْ أَوْلِيَاءُ الله الَّذِينَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ»
قيل: من هؤلاء يا رسول الله؟ قال: «المتحابون في الله» .
وقيل: لو تحاب الناس وتعاطوا أسباب المحبة لاستغنوا بها عن العدالة.
وقيل: العدالة خليفة المحبة تستعمل حيث لا توجد المحبة.
وقيل طاعة المحبة أفضل من طاعة الرهبة؛ فإن طاعة المحبة من داخل وطاعة الرهبة من خارج؛ ولهذا المعنى كانت صحبة الصوفية مؤثرة من البعض في البعض، لأنهم لما تحابوا في الله تواصوا بمحاسن الأخلاق ووقع القبول بينهم لوجود المحبة، فانتفع لذلك المريد بالشيخ، والأخ بالأخ؛ ولهذا المعنى أمر الله تعالى باجتماع الناس في كل يوم خمس مرات في المساجد أهل كل درب وكل محلة، وفي الجامع في الأسبوع مرة أهل كل بلد، وانضمام أهل السواد إلى البلدان في الأعياد في جميع السنة مرتين، وأهل الأقطار من البلدان المتفرقة في العمر مرة للحج: كل ذلك لحكم بالغة، منها تأكيد الألفة والمودة بين المؤمنين.