وكذلك قال معاوية رضي الله عنه: نكحت النساء حتى ما أفرق بين امرأة وحائط، وأكلت الطعام حتى لا أجد ما استمرئه، وشربت الأشربة حتى رجعت إلى الماء، وركبت المطايا حتى اخترت نعلي، ولبست الثياب حتى اخترت البياض، فما بقي من اللذات ما تتوق إليه نفسي إلا محادثة أخ كريم.
وأنشدوا في معنى ذلك:
وما بقيت من اللّذات إلّا ... محادثة الرجال ذوي العقول
وقد كنّا نعدّهم قليلا ... فقد صاروا أقلّ من القليل
وقال لبيد:
ما عاتب المرء اللبيب كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح
وقال آخر:
إذا ما أتت من صاحب لك زلة ... فكن أنت محتالا لزلّته عذرا
وقيل لابن السماك: أي الإخوان أحق ببقاء المودة؟
قال: الوافر دينه، الوافي عقله، الذي لا يملّك على القرب ولا ينساك على البعد، إن دنوت منه داناك، وإن بعدت عنه
راعاك، وإن استعنت به عضدك، وإن احتجت إليه رفدك، وتكون مودة فعله أكثر من مودة قوله. وأنشدوا في المعنى:
إن أخاك الصدق من يسعى معك ... ومن يضرّ نفسه لينفعك
ومن إذا ريب الزمان صدعك ... شتّت فيك شمله ليجمعك
وليس أخي من ودّني بلسانه ... ولكنّ أخي من ودّني وهو غائب
ومن ماله مالي إذا كنت معدما ... ومالي له إن أعوزته النّوائب
وقال أبو تمام:
من لي بإنسان إذا أغضبته ... وجهلت كان الحلم ردّ جوابه
وإذا صبوت إلى المدام شربت من ... أخلاقه وسكرت من آدابه
وتراه يصغي للحديث بطرفه ... وبقلبه ولعلّه أدرى به
وقيل لخالد بن صفوان: أي إخوانك أحب إليك؟ قال:
الذي يسد خلتي ويغفر زلتي ويقيل عثرتي. وقيل: من لا يؤاخي إلا من لا عيب فيه قلّ صديقه، ومن لم يرض من صديقه إلا بإيثاره على نفسه دام سخطه، ومن عاتب على كل ذنب ضاع عتبه، وكثر تعبه.
قال الشاعر:
ومن لم يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
وقال آخر:
إذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
وإن أنت لم تشرب مرارا على الأذى ... ظمئت وأيّ الناس تصفو مشاربه
وقال: إذا رأيت من أخيك أمرا تكرهه أو خلة لا تحبها فلا تقطع حبله ولا تصرم وده، ولكن داو كلمته واستر عورته وأبقه وأبرأ من عمله.
قال الله تعالى: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ 216}
فلم يأمره بقطعهم، وإنما أمره بالبراءة من عملهم السيء.
وقال صلى الله عليه وسلم: «الأرواح أجناد مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» .