ويحتمل أنّ اليهود مع ذلك طعنوا فِي الإسلام ، وأنَّه لم يكن على شريعة إبراهيم ، إذْ أباح للمسلمين أكل المحرّمات على اليهود ، جهلاً منهم بتاريخ تشريعهم ، أو تضليلاً من أحبارهم لعامّتهم ، تنفيراً عن الإسلام ، لأن الأمم فِي سذاجتهم إنَّما يتعلّقون بالمألوفات ، فيعدّونها كالحقائق ، ويقيمونها ميزاناً للقبول والنّقد ، فبيّن لهم أنّ هذا ممّا لا يُلتفت إليه عند النّظر فِي بقيّة الأديان ، وحسبكم أنّ ديناً عظيماً وهو دين إبراهيم ، وزُمرة من الأنبياء من بنيه وحفدته ، لم يكونوا يحرّمون ذلك.
وتعريف (الطّعام) تعريف الجنس ، و (كُلّ) للتنصيص على العموم.
وقد استدلّ القرآن عليهم بهذا الحكم لأنَّه أصرح ما فِي التَّوراة دلالة على وقوع النسخ فإنّ التوراة ذكرت فِي سفر التكوين ما يدلّ على أنّ يعقوب حرّم على نفسه أكل عِرق النَّسَا الَّذِي على الفخذ ، وقد قيل: إنَّه حرّم على نفسه لحوم الإبل وألبانها ، فقيل: إنّ ذلك على وجه النذر ، وقيل: إنّ الأطبَّاء نهوه عن أكل ما فيه عرق النّسا لأنَّه كان مبتلى بوجع نَساه ، وفي الحديث أنّ يعقوب كان فِي البدو فلم تستقم عافيته بأكل اللّحم الّذي فيه النّسا.
وما حرّمه يعقوب على نفسه من الطعام: ظاهر الآية أنَّه لم يكن ذلك بوحي من الله إليه ، بل من تلقاء نفسه ، فبعضه أراد به تقرّباً إلى الله بحرمان نفسه من بعض الطيِّبات المشتهاة ، وهذا من جهاد النَّفس ، وهو من مقامات الزّاهدين ، وكان تحريم ذلك على نفسه بالنذر أو بالعزم.
وليس فِي ذلك دليل على جواز الاجتهاد للأنبياء فِي التشّريع لأنّ هذا من تصرّفه فِي نفسه فيما أبيح له ، ولم يدع إليه غيرَه ، ولعلّ أبناء يعقوب تأسَّوا بأبيهم فيما حرَّمه على نفسه فاستمرّ ذلك فيهم.