قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، لأنه يقتضي أن الآية فِي منافقين والآية إنما هي فِي كفار يعلنون مثل ما يبطنون، وذهب بعض المفسرين إلى أن {ينفقون} يراد به أعمالهم من الكفر ونحوه، أي هي"كالريح التي فيها صر"، فتبطل كل ما لهم من صلة رحم وتحنث بعتق ونحوه، كما تبطل الريح الزرع، وهذا قول حسن لولا بعد الاستعارة فِي الإنفاق، و"الصر"البرد الشديد، المحرق لكل ما يهب عليه وهو معروف قال ابن عباس وجمهور المفسرين:"الصر"البرد، وتسميه العرب الضريب، وذهب الزجّاج وغيره: إلى أن اللفظة من التصويت، من قولهم صر الشيء ، ومنه الريح الصرصر، قال الزجاج، فالصر صوت النار التي فِي الريح.
قال القاضي:"الصر"هو نفس جهنم الذي فِي الزمهرير يحرق نحواً مما تحرق النار، و"الحرث"شامل للزرع والثمار، لأن الجميع مما يصدر عن إثارة الأرض، وهي حقيقة الحرث، ومنه الحديث لا زكاة إلا فِي عين أو حرث أو ماشية، وقال عز وجل: {ظلموا أنفسهم} فما بال هذا التخصيص والمثل صحيح، وإن كان الحرث لمن لم يظلم نفسه؟ فالجواب أن ظلم النفس فِي هذه الآية تأوله جمهور المفسرين بأنه ظلم بمعاصي الله، فعلى هذا وقع التشبيه بحرث من هذه صفته، إذ عقوبته أوخى واخذ الله له أشد والنقمة إليه أسرع وفيه أقوى، كما روي فِي جوف العير وغيره، وأيضاً فمن أهل العلم من يرى أن كل مصائب الدنيا فإنما هي بمعاصي العبيد، وينتزع ذلك من غير ما آية فِي القرآن، فيستقيم على قوله: إن كل حرث تحرقه ريح فإنما هو لمن قد ظلم نفسه، وذهب بعض الناس ونحا إليه المهدوي: إلى أن قوله تعالى: {حرث قوم ظلموا أنفسهم} معناه زرعوا فِي غير أوان الزرعة.