وأما تخصيص آية سورة الجن بما ورد فيها فوجه ذلك - والله أعلم - إما لم تقدم من قول الجن في إخبار الله تعالى عنهم: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا(8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا) (الجن: 8 - 9) ، فلما تقدم هذا من قولهم وإخبارهم عما كانت الحال عليه قبل بعثة رسول الله صلي الله عليه وسلم، وأن في ذلك من قولهم واطلاعهم على الغيوب أو الكثير منها، أعلم تعالى أن من الغيب ما ليس لهم ولا لغيرهم مطمع في الإطلاع عليه، وأنهم في ترصدهم ومقاعدهم للسمع ممنوعون هم ومن سواهم عما انفرد بعلمه سبحانه وحكم أن لا يطلع عليه أحد من خلقه، فهذا وجه ورود هذه الآية هنا. وهنا انتهى ما ألهم الله تعالى إليه في هذه الآية مما تعرض إليه الإمام أبو الفضل رحمه الله وبسطناه بما يدفع ما يوهمه موجز كلامه في التمثيل للغيب المخصوص، فبسطته بما أرجو أنه مراده ودافع لما يعترض عليه فيه حين أجمل في إغفاله توجيه تخصيص الغيوب الأربعة بذكرها مع غيب الساعة في سورة لقمان ووجه اختصاص سورة الجن بالوارد فيها، وأتيت في ذلك بما ألهم الله سبحانه إليه، وأرجو أنه شاف إن شاء الله، وإن تحمل غفلة أو سهواً فأسأل الله عفوه في ذلك، وعذري أنى لم أجد في ذلك من تعرض لشيء من هذا إلا ما قدمت ذكره مع إشكال الأمر في ذلك)، والله سبحانه أعلم بما أراد. انتهى انتهى {ملاك التأويل صـ 484 - 490}