{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} [القلم: 48] أيتها اللطيفة المبلغة؛ يعني: اصبري على أذاهم وتكذيبهم لكن {وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} [القلم: 48] ؛ يعني: لا تكن ضجراً ولا تستعجل بالدعاء على قواك قبل نزع الآلات والأدوات عنها فربما يهتدون إلى طريق الحق، ويتوبون إلى الله ويتركون الغفلة، والكظم من أشرف الأخلاق، والصبر على الكظم أمر الدواء وأنفع لداء الحادث من الغيب والضجر.
{لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ} [القلم: 49] ؛ يعني: لولا أن أدركته الداخلة في النون {لَنُبِذَ بِالْعَرَآءِ} [القلم: 49] ؛ أي: طرح بالفضاء في جوف الحوت بالولاية الحيوانية النباتية وكان محروماً من نعمة النبوة النونية، {وَهُوَ مَذْمُومٌ} [القلم: 49] يذم ويلام بنزوله وبانحطاطه من مربتة النبوية والولاية، وهذا سالك دعا على أممه على سبيل الضجارة بالعجلة وقت عروجه على معارج قلبه، ثم أخذ منه آلات الترقي بدعائه على أممه وطرح في جوف حوت الصدر فبقي فيه بحيث لا تزيد مرتبته ولا يترقى من حاله، وهذه حسرة عظيمة للسالك ولو ألهم في قلب السالك أنك وصلت إلى سدرة المنتهى منتهيك وأعطيت درجات جميع المقربين وليس لك الترقي بعد هذه المرتبة ينبغي أن يعري نفسه بنزع الآلات والأدوات عنها ووقوفها في مرتبتها؛ لأن المراتب الإنسانية والدرجات النفسانية غير منتهية إذا دخل السالك في عالم اللاهوت كل ساعة ونفس ولمحة لا يترقى فيها السالك من مقامه فهو مغبون كما قال صلى الله عليه وسلم: