نوع آخر من أعلامه صلى الله عليه وسلم: أنه نزل بجيشه في غزوة تبوك على غير ماء وهم نحو ثلاثين ألفا فعطشوا وشكوا ذلك إليه فبعث أبا قتادة وأبا طلحة وسماك بن خرشنة وسعد بن عبادة يلتمسون الماء فغابوا إلى قائم الظهيرة ثم رجعوا ولم يجدوا شيئا، وبلغ العطش من الناس والخيل والدواب، فصلى بأصحابه متيمما، فلما فرغ شكوا إليه العطش فبعث أسيد بن حضير وأسامة يلتمسون الماء من الأعراب، فقال المنافقون: أن محمدا يخبر بأخبار السماء وهو لا يدري الطريق إلى الماء، فأتاه جبريل عليه السلام فأخبره بقولهم وسماهم له، فشكى ذلك إلى سعد بن عبادة فقال سعد: إن شئت ضربت أعناقهم، فقال: «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ولكن نحسن صحبتهم ما أقاموا معنا» ، ثم قال لأبي الهيثم بن التيهان وأبي قتادة وسهيل بن بيضاء يستعرضون الطريق ويأخذون على الكثيب فتقفوا ساعة فإن عجوزا من الأعراب تمر بكم على ناقة لها معها سقاء من ماء فاطعموها واشتروا منها بما عزّ وهان وجيئوا بها مع الماء»، فمضوا حتى بلغوا الموضع الذي وصف لهم فإذا بالمرأة فقالوا:
تبيعينا هذا الماء؟ قالت: أنا وأهلي أحوج إلى الماء منكم، فطلبوا إليها أن تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الماء فأبت وقالت: إن هذا لساحر، خير الأشياء أن لا أراه ولا يراني فشدوا وثاقها حتى حاءوا بها مع الماء، فلما وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خلوا عنها، وقال لها: تبيعين هذا الماء» ؟ قالت: إن أهلي أحوج إليه منكم، قال: «فائذني لنا فيه وليصيرن ذلك كما جئت به» ، قالت: شأنكم، فقال لأبي قتادة: «هات الميضأة» ، فقربت إليه فحل السقاء وتفل فيه وصب في الميضأة فوضع يده فيه ثم قال: «ادنوا فخذوا» ، فجعل الماء يزيد والناس يأخذون حتى ما أبقوا معهم سقاء إلّا ملأوه وأرووا خليهم وأبلهم والميضأة ملأى ثم زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في السقاء حتى ملأه وبقي في الميضأة ثلثاه ثم توضأوا كلهم حين أصبحوا وهو يزيد ولا ينقص.