ثم أخبر عن المتقين التائبين بقوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الذاريات: 15] ، يشير إلى أنهم في جنات قلوبهم، وعيون الحكمة في عاجلهم، بل في جنات الوصل وفي أجلهم في جنات الفضل، فغداً نجاة ودرجات واليوم مناجاة وقربات.
{آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} [الذاريات: 16] اليوم بقلوب فارغة من الله من أصناف ألطافه، وغداً يأخذون ما يعطيهم ربهم في الجنة من فنون العطاء والرغد، {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ} [الذاريات: 16] ؛ أي: قبل أن كانوا في الوجود وكانوا في العدم {مُحْسِنِينَ} [الذاريات: 16] ، وإحسانهم أنهم كانوا محبين الله بالله، كما قال تعالى: {وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] وهم بعد في العدم.
ولما حصلوا في الوجود {كَانُواْ قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17] ؛ أي: كانوا قليلاً، وكانوا لا ينامون بالليل كقوله: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] ، وكقوله صلى الله عليه وسلم:"نوم العالم عبادة"، فمن يكون في العبادة نائماً؟
{وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 18] ؛ أي: يستغفرون عن رؤية عبادات يعلمونها في سهرهم إلى الأسحار بمنزلة العاصين، يستغفرون استصغاراً لقدرهم واستحقاراً لفعلهم، والليل إما للأحباب في أنس المناجاة وإما للعصاة في طلب النجاة، والسهر لهم في لياليهم دائم؛ لفرط أسف أو لشدة لهف، وإما للاشتياق أو للفراق، كما قال:
وأكم ليلة فيك لا صباح لها ... أفنيتها قابضاً على كبدي
قد عضت العين بالدموع وقد ... وضعت خدي على بنان يدي
وإما لكمال أنس وطيب روح، كما قالوا:
سقى الله عيشاً نضيراً مضى ... زمان الهوى في الصبا والمجون
لياليه تحكي انسداد اللحاظ ... للعين عند ارتداد الجنون