فأقبلت على نفسي باللوم وقلت: لم تنتبهي لما انتبه له الأعرابي ، فلمّا حججت مع الرشيد دخلت مكة ، فبينا أنا أطوف بالكعبة إذ هتف بي هاتف بصوت دقيق فالتفتّ فإذا أنا بالأعرابي نحيلاً مصفاراً فسلّم عليّ وأخذ بيدي وأجلسني من وراء المقام وقال لي: اتل كلام الرَّحْمن ، فأخذت في سورة والذاريات ، فلمّا انتهيت إلى قوله: {وَفِي السمآء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} ، صاح الإعرابي فقال: وجدنا ما وعدنا ربنّا حقاً ، ثم قال: وهل غير هذا؟ قلت: نعم يقول الله سبحانه {فَوَرَبِّ السمآء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} ، فصاح الأعرابي وقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف؟ ، ألم يصدّقوه بقوله حتى ألجأوه إلى اليمين؟ قالها ثلاثاً وخرجت فيها نفسه.
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة ، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، قال: حدّثنا أبو حاتم قال: حدّثنا شبانة ، قال حدّثنا صدقة ، قال حدّثنا الوضين بن عطاء عن زيد بن جرير أنّ رجلا جاع في مكان ليس فيه شيء ، فقال: اللّهم رزقك الذي وعدتني فأتني به ، قال: فشبع وروى من غير طعام ولا شراب .
وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن القاسم الخطيب . قال: حدّثنا إسماعيل بن العباس بن محمد الوراق ، قال: حدّثنا الحسين بن سعيد بن محمد المحرمي ، قال: حدّثنا علي ابن يزيد العبداني قال: حدّثنا فضيل بن مسروق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لو أنّ أحدكم فرّ من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت"وأنشدت في معناه:
الرزق في القرب وفي البعد ... أطلَبُ للعبد من العبد
لو قصّر الطالب في سعيه ... أتاه ما قدّر في قصد
وقال دعبل:
أسعى لأطلب رزقي وهو يطلبني ... والرزق أكثر لي مني له طلباً