ولقد قال اللَّه تعالى في هذه الآيات عبارات ثلاثا أولها يُؤْمِنُونَ وثانيها يُوقِنُونَ وثالثها يَعْقِلُونَ والمقصود بها كما قال الرازي: إن كنتم من المؤمنين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين بل أنتم من طلاب الحق واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين، فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل.
أو أن الآيات النفسية تحتاج إلى الإيقان، لقربها من الإنسان، وأما الآيات الخارجية الفلكية فيكفي فيها التصديق لبعدها عن الإنسان، وأما العلوية فتحتاج إلى النظر والاستدلال.
وهذا دليل قاطع على أن القرآن اشتمل على أصول العقيدة والإيمان ودلائل التوحيد والنبوة والبعث والقيامة، كما اشتمل في مواضع أخرى على الأحكام الفقهية الجزئية في العبادات، والمعاملات، وأحكام الأسرة، والدولة، والأخلاق، والاجتماع، والسياسة، والحكم، وغير ذلك.
وعيد المكذبين بآيات اللَّه وجزاؤهم
[سورة الجاثية (45) : الآيات 7 إلى 11]
(وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ(7) يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (8) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (9) مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (10) هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11)
الإعراب:
لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ أَلِيمٌ بالرفع: صفة عَذابٌ ويقرأ بالجر: صفة رِجْزٍ.
البلاغة:
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ من صيغ المبالغة على وزن فعّال وفعيل.
فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أسلوب تهكمي، لأن استعمال البشارة التي تكون عادة بالخير في الشر تهكم.
يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها تشبيه مرسل، أي كأنه لم يسمع آيات القرآن.
هذا هُدىً وصف القرآن بالمصدر الذي هو هدى للمبالغة، كأنه لوضوح حجته عين الهدى.