وشبه حالهم في عدم انتفاعهم بالآيات بحالهم في انتفاء سماع الآيات ، وهذا التشبيه كناية عن وضوح دلالة آيات القرآن بحيث أن من يسمعها يصدق بما دلت عليه فلولا إصرارهم واستكبارهم لانتفعوا بها.
و {كَأنْ} أصلها (كأنَّ) المشددة فخففت فقدر اسمها وهو ضمير الشأن.
وفرّع على حالتهم هذه إنذارهم بالعذاب الأليم وأطلق على الإنذار اسم البشارة التي هي الإخبار بما يسر على طريقة التهكم.
والمراد بالعلم في قوله: {وإذا علم من آياتنا شيئاً} السمع ، أي إذا ألقى سمعه إلى شيء من القرآن اتخذه هُزؤاً ، أي لا يَتلقى شيئاً من القرآن إلا ليجعله ذريعة للهزء به ، ففعل {عَلِم} هنا متعدّ إلى واحد لأنه بمعنى عَرف.
وضمير التأنيث في {اتخذها} عائد إلى {آياتنا} ، أي اتخذ الآيات هزؤاً لأنه يستهزئ بما علمه منها وبغيره ، فهو إذا علم شيئاً منها استهزأ بما علمه وبغيره.
ومعنى اتخاذهم الآيات هزؤاً: أنهم يلوكونها بأفواههم لوك المستهزئ بالكلام ، وإلا فإن مطلق الاستهزاء بالآيات لا يتوقف على العِلم بشيء منها.
ومن الاستهزاء ببعض الآيات تحريفُها على مواضعها وتحميلها غير المراد منها عمداً للاستهزاء ، كقول أبي جهل لما سَمِع {إنَّ شجرة الزقوم طعام الأثيم} [الدخان: 43 ، 44] تجاهل بإظهار أن الزقوم اسم لمجموع الزبد والتمر فقال:"زقّمونا"، وقوله: لما سمع قوله تعالى: {عليها تسعة عَشَر} [المدثر: 30] : أنا أَلْقَاهُمْ وحدي.
{هُزُواً أولئك لَهُمْ عَذَابٌ} {لله مُّهِينٌ * مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً وَلاَ مَا} .
جيء باسم الإشارة للتنبيه على أن ما ذكر من الأوصاف من قوله تعالى: {لكل أفاك أثيم} إلى قوله {هزؤاً} على أن المشار إليهم أحرياء بهِ لأجْللِ ما قبل اسم الإشارة من الأوصاف.
وجملة {من ورائهم} بيان لجملة {لهم عذاب مهين} .