فنسي العهد ولم يحسن به حتى غفل عنه واغتر بقول الشَّيْطَان، أو ترك ما وصى به من
الاحتراز عن الشجرة. ولم نجد له عزمًا. تصميم رأي وثبات عَلَى الأمر؛ إذ لو كان ذا عزيمة
وتصلب لم يزله الشَّيْطَان ولم يستطع له تغريره، ولعله ذاك في بدء أمره قبل أن يجرب
الأمور. وقيل عزمًا عَلَى الذنب لأنه أخطأ ولم يتعمد، وهذا الْمَعْنَى الأخير هُوَ الْمُنَاسب لهذا
المقام وبه يتم المرام، وإنما مرضه في سورة طه؛ لأن المقصود هناك غير هذا المطلوب.
قوله: (ولكنه عوتب بتركا لتحفظ عن أسباب النسيان، ولعله وإن حط عن الأمة)
جواب عن أن النسيان لا يعاتب عليه، فلو كان نسيانًا لما عوتب عليه. التحفظ التيقظ وعدم
الغفلة، وعن هذا يؤاخذ القاتل خطأ في حكم الدُّنْيَا لترك التيقظ مع أن الخطأ والنسيان
مرفوعان عن هذه الأمة مع الاخْتلَاف في الأمم السالفة؛ ولهذا قال الْمُصَنّف: ولعله وإن حط
عن الأمة بكلمة الترجي وإن الوصلية تنبيهًا عَلَى أن حطه عن الأمة مُطْلَقًا غير ثابت قطعًا؛ إذ
الظَّاهر أن هذا من خصائص هذه الأمة كما روي في الصحيحين"رفع عن أمتي الخطأ"
والنسيان"لكن التَّخْصِيص بهذه الأمة لا ينافي تحقيقه في الأمم الخالية. أما عندنا فلأنه لا"
مفهوم، وأما عند الشَّافعيّ فلأن في التَّخْصِيص فَائدَة غير مفهوم المخالفة وهو بيان شرف
هذه الأمة وأن شريعتهم السهلة البيضاء ومثل هذه الفَائدَة إن اعتنى بها فلا مفهوم وإلا
فالمفهوم معتبر وعن هذا أشار الْمُصَنّف إلَى الاحتمالين بالاعتبارين.
قوله: (لم يحط عن الْأَنْبيَاء عليهم السلام) عم الْكَلَام (لعظم قدرهم) إلَى الرسل كافة
تتميمًا للفَائدَة وتكميلًا للقاعدة، لكن الظَّاهر عدم الحط بالمؤاخذة الدنيوية دون الْأُخْرَويَّة
وأما في الأمة فمؤاخذة في الدُّنْيَا في بعض دون بعض كالقتل خطأ والأكل خطأ في صوم
رمضان والخطأ والنسيان سيان وإن كان بَيْنَهُمَا فرق في الْجُمْلَة.
قوله: (لقوله عَلَيْهِ السَّلَامُ"أشد النَّاس بلاء الْأَنْبيَاء") حمل البلاء عَلَى المضائق الدينية
والعمل بالعزيمة والمؤاخذة بالأمور المحقرة المعفوة عن الذوات الحقيرة، وله احتمال آخر
لا يناسب هذا المقام (ثم الأولياء) كلمة (ثُمَّ) للتراخي الرتبي وخلاصته معنى الفاء الخ. ولذا
قال عَلَيْهِ السَّلَامُ (ثم الأمثل) أي الأشبه بهم في الطاعات وترك الشهوات (فالأمثل) بالفاء
تنبيهًا عَلَى ما ذكرنا.
قوله: (أو أدى فعله إلَى ما جرى عليه عَلَى طريق السببية المقدرة دون المؤاخذة
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُ ابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: لم يحط عن الْأَنْبيَاء هذا إن ثبت أن آدم حين تناوله من الشجرة نبي وهو غير معلوم.
ولعل في قوله: ولعله وإن حط. إيماء إلَى ذلك. قوله أو أدى فعله. عطف عَلَى فعله في قوله إنه فعله
ناسيًا أو فعله لكن زلته هذه مع كونها صغيرة غير موجبة مؤاخذة عليها إلَى ما جرى عليه عَلَى وجه
السببية لا عَلَى وجه المؤاخذة عَلَى الذنب كمن تناول سمًا من غير علم بأنه قاتل فأثمر تناوله القتل
والذنوب كالسموم قد تؤدي بطَريق السببية إن لم تتدارك بما جانبها إلَى تلف وهلاك أو إلَى شدة
وبلاء كما أن السموم إذا تنولت ولم تعالج تؤدي إلَى الردى والبلاء.