{ففرت منكم} إلى الله لما خفت أن تقطعوا عليّ الطريق إلى الله.
رب سموات القلوب وأرض البشرية وما بينهما من المنازل {قال لمن حوله} من صفات النفس {الا تستمعون} {قال موسى} القلب لتعارفه بربه {ربكم ورب آبائكم الأوّلين} يعني الآباء العلوية الرحانية. وفي قوله {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} إشارة إلى كمال ضدية القلب والنفس فما يصدر عن القلب تعده النفس من الجنون وبالعكس. {رب} مشرق الروح من أفق البدن {ورب} مغربه فيه {وما بينهما} من مدة التعلق وقد مر نظيره في محاجة إبراهيم في"البقرة" {لأجعلنك من السمجونين} في سجن حب الدنيا فإن القلب إذا توجه إلى الله فلا استيلاء للنفس عليه إلا بشبكة حب النجاة والرياسة فإنها آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين. فقال موسى القلب: لا تقدر على أن تسجنني فإن معي عصا الذكر واليد المنزعة عما سوى الله. وباقي التأويل قد سبق قوله: {فأخرجناهم} أي {من جنات} صفات الأوصاف الروحانية {وعيون} الحكمة {وكنوز} المعارف {ومقام كريم} في حضرة أكرم الأكرمين {وأورثاها بني إسرائيل} فيه أن النفس إذا فنيت ورث القلب منها صفاتها وبقوتها تصير إلى مقامات لم يمكنه الوصول إليها بقوة صفاته، ولو مات القلب ورثت النفس منه صفاته وبقوتها تتنزل إلى دركات لم يمكنها الوصول إليها بمجرد صفاتها {فأتبعوهم} أي لحق أوصاف النفس أوصاف القلب عند إشراق شمس الروح {فكان كل فرق} فيه أن كل صفة من أوصاف الروح كجبل عظيم في العبور عنه. {وأزلفنا ثم الآخرين} أي قربنا صفات النفس بتبعية صفات القلب إلى بحر الروح. {وأنجينا موسى ومن معه} من الأوصاف في بحر الروح بالوصول إلى الحضرة {ثم أغرقنا} أوصاف النفس في بحر الروحانية فإن الوصول إلى الحضرة من خواص القلب وغاية سير النفس هو الاستغراق في بحر الروحانية {إن في ذلك لآية} لأرباب العرفان {وما كان أكثرهم مؤمنين} بهذه المنازل فإنه لا يصير إليها إلا الشاذ من المجذوبين بجذبة {ارجعي إلى ربك} [الفجر: 28] جعلنا الله من المستعدين لها. والله أعلم. انتهى انتهى. {غرائب القرآن حـ 5 صـ 270 - 271}