فلم يجعل الخبر للأرماح وردّه إلى هم لكناية القوم وإنما جاز ذلك لأنه لو أسقط من وطول والأرماح من الكلام لم يفسد سقوطها معنى الكلام ، فكذلك رد الفعل إلى الكناية في قوله أعناقهم ؛ لأنه لو أسقط الأعناق لما فسد الكلام ولأدّى ما بقى من الكلام عنها وكان فظلوا خاضعين لها واعتمد الفرّاء وأبو عبيد على هذا القول.
وقال قوم: ذكر الصفة لمجاورتها المذكر وهو قوله هم ، على عادة العرب في تذكير المؤنث إذا أضافوه إلى مذكر ، وتأنيث المذكر إذا أضافوه إلى مؤنّث ، كقول الأعشى:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم
وقال العجاج: لما رأى متن السماء ابعدت.
وقيل: لما كان الخضوع وهو المتعارف من بني آدم أخرج الأعناق مخرج بني آدم كقوله {والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4] وقوله سبحانه {يا أيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ} [النمل: 18] ومنه قول الشاعر:
تمززتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبُوا
وقيل: إنما قال خاضعين فعبّر بالأعناق عن جميع الأبدان ، والعرب تعبّر ببعض الشيء عن كله كقوله {ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [الحج: 10] وقوله {أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء: 13] ونحوهما.
قال مجاهد: أراد بالاعناق ههنا الرؤساء والكبراء ، وقيل: أراد بالأعناق الجماعات والطوائف من الناس ، يقال: جاء القوم عنقاً أي طوائف وعصباً كقول الشاعر:
انَّ العراق وأهله عنق ... إِليك فهيت هيتا
وقرأابن أبي عبلة: فظلّت أعناقهم لها خاضعة.