وقيل: إن موسى عَلِم أن فرعون يعلم أن اللهَ ربُّه؛ وإن أظهر غير ما يعلم، فلما قال له: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} لم يقع في نفسه أنه يَسأل عن ربه ليُحدده، بل قَدَّر أنه يسأله عن مُلك ربه؛ فكأن التقدير: وما مُلك رب العالمين؟ فقال: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ} الآية. وغير ممتنع في اللغة أن يُجاب السائل في قوله ما ملك ربك؟ بأن يقال: ربُّك مَلِك العراق وخراسان، ومالك أكثر الأرض. انتهى كلامه.
قال الكلبي: {إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} أنه خلق ذلك.
وقال أهل المعاني: {إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} أن ما تعاينونه كما تعاينونه. يعني: إن كنتم تثبتون المشاهدات والمعقولات؛ لأن من أثبت المعقول لا يكاد يخفى عليه الخالق إذا شاهد المخلوق.
25 -قوله: {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ} قال أبو إسحاق: لما قال موسى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} تحير فرعون ولم يَرُدَّ جوابًا ينقض به هذا القول، فـ {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ} قال ابن عباس: يريد ألا تستمعون مقالة موسى. فزاد موسى في البيان فقال:
26 - {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} قال الفراء: إنما لم يجبه الملأ، لأن موسى كان المراد بالجواب، فقال: الذي أدعوكم إلى عبادته {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} . قال محمد بن إسحاق: الذي خلق آباءكم الأولين، وخلقكم من آبائكم. فلم يجبه فرعون أيضًا بما ينقض قوله، وقال:
27 - {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} . قال محمد بن إسحاق أي: ما هذا بكلام صحيح إذ يزعم أن له إلهًا غيري.
وقال أهل المعاني: كِلَا المقالتين من فرعون مقالة العاجز عن الاعتراض على الحجة؛ قوله: {أَلَا تَسْتَمِعُونَ} وقوله: {إِنَّ رَسُولَكُمُ} الآية.