ثم قال له فرعون: (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) : يذكر نعمته التي أنعمها عايه بتربيته إياه صغيرًا، وكونه فيهم دهرا، وكفران موسى لما أنعم عليه وهو ما قال: (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ(19) وهو قتل ذلك القبطي الذي وكزه موسى فقضى عليه، فأقرَّ له موسى بذلك، فأخبر أنه فعل ذلك حيث قال: (فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ(20)
وقوله: (فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) . أي: فعلت ذلك وأنا كنت من الجاهلين، لا يعلم أن وكزته تلك تقتله، وإلا لو علم ما وكزه؛ لأنه لم يكن يحل له قتله حيث قال: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) ؛ دل ذلك منه أنه كان لم يحل قتله إلا أنه جرى ذلك على يده خطأ وجهلا.
وفيه دلالة أن الرجل قد ينهى ويؤاخذ بما يجري على يده خطأ وجهلا، ويخاطب بذلك حيث قال: (فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) .
ثم قال: (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ ...(21) . وهو حين قال ذلك الرجل: (إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ) الآية، فخرج منها خائفًا يترقب، وذلك فراره منهم.
وقوله: (فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ) : قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا) . أي: نبوة.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: حكما، أي: منَّ عليَّ بالحكم وجعلني من المرسلين، وقد كان ذلك له كله.
وقوله: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ(22)
وهو استعبادك إياهم، أي: إذا ذكرت هذا فاذكر ذاك، هذا يحتمل وجوهًا.
أحدها: أن تذكر ما أنعمت عليَّ وتمنها، ولا تذكر مساوئك ببني إسرائيل، وهو استعبادك إياهم، أي: إذا ذكرت هذا فاذكر ذاك.
والثاني: أن تلك نعمة تمنها عليَّ حيث لم تعبدني وعبَّدت بني إسرائيل، يخرج على قبول المنة منه.