وروى العوفي عن ابن عباس: إنّ ذلك تصريف أُحواله بعد الولادة ، يقول: خرج من بطن أُمّه بعد ما خلق فكان من بدو خلقه الآخر أن استهلّ ، ثمَّ كان من خلقه أن دُلّ على ثدي أُمّة ، ثمّ كان من خلقه أن عُلّم كيف يبسط رجليه ، إلى أن قعد ، إلى أن حبا ، إلى أن قام على رجليه ، إلى أن مشى ، إلى أن فطم ، فعلم كيف يشرب ويأكل من الطعام ، إلى أن بلغ الحلمَ ، إلى أن بلغ ان يتقلّب في البلاد.
وقيل: الذكورة والأُنوثية ، وقيل: إعطاء العقل والفهم.
{فَتَبَارَكَ الله} أي استحق التعظيم والثناء بأنّه لم يزل ولا يزال وأصله من البروك وهو الثبوت.
{أَحْسَنُ الخالقين} أي المصوّرين والمقدّرين ، مجاهد: يصنعون ويصنع الله والله خير الصانعين.
ابن جريج: إنما جمع الخالقين لأنّ عيسى كان يخلق ، فأخبر جلَّ ثناؤه أنّه يخلقُ أحسن ممّا كان يخلق.
وروى أبو الخليل عن أبي قتادة قال: لمّا نزلت هذه الآية إلى آخرها قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه"فتبارك الله أحسن الخالقين"فنزلت {فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} .
قال ابن عباس: كان ابن أبي سرح يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأملى عليه هذه الآية ، فلمّا بلغ قوله {خَلْقاً آخَرَ} خطر بباله {فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} فلمّا أملاها كذلك لرسول الله قال عبد الله: إن كان محمد نبيّاً يوحى إليه فانا نبيّ يوحى إليّ ، فلحق بمكة كافراً.
{ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ} قرأ أشهب العقيلي لمايتون بالألف ، والميّت والمائت ، الذي لم يفارقه الروح بعد وهو سيموت ، والميْت بالتخفيف: الذي فارقه الروح ، فلذلك لم تخفف ههنا كقوله سبحانه وتعالى {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ}