يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَقَالَتْ جَمَاعَةُ أَشْرَافِ قَوْمِ نُوحٍ، الَّذِينَ جَحَدُوا تَوْحِيدَ اللَّهِ وَكَذَّبُوهُ، لِقَوْمِهِمْ: مَا نُوحُ أَيُّهَا الْقَوْمُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، إِنَّمَا هُوَ إِنْسَانٌ مِثْلُكُمْ وَكَبَعْضِكُمْ، {يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ}
يَقُولُ: يُرِيدُ أَنْ يَصِيرَ لَهُ الْفَضْلُ عَلَيْكُمْ، فَيَكُونَ مَتْبُوعًا وَأَنْتُمْ لَهُ تَبَعٌ.
{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً}
يَقُولُ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ لَا نَعْبُدَ شَيْئًا سِوَاهُ لِأَنْزِلَ مَلَائِكَةً، يَقُولُ: لَأَرْسَلَ بِالدُّعَاءِ إِلَى مَا يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ نُوحٌ مَلَائِكَةً تُؤَدِّي إِلَيْكُمْ رِسَالَتَهُ.
وَقَوْلُهُ: {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا} الَّذِي يَدْعُونَا إِلَيْهٌِ نُوحٌ مِنْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ لَنَا غَيْرُ اللَّهِ فِي الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ، وَهِيَ آبَاؤُهُمُ الْأَوَّلُونَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27) }
يَعْنِي ذَكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ الْمَلَأِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِ نُوحٍ {إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} مَا نُوحٌ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جُنُونٌ. وَقَدْ يُقَالُ أَيْضًا لِلْجِنِّ جِنَّةٌ، فَيَتَّفِقُ الِاسْمُ وَالْمَصْدَرُ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ: {إِنْ هُوَ} كِنَايَةُ اسْمِ نُوحٍ.
وَقَوْلُهُ: {فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ}
يَقُولُ: فَتَلَبَّثُوا بِهِ، وَتَنَظَّرُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ؛ يَقُولُ: إِلَى وَقْتٍ مَا. وَلَمْ يَعْنُوا بِذَلِكَ وَقْتًا مَعْلُومًا، إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: دَعْهُ إِلَى يَوْمٍ مَا، أَوْ إِلَى وَقْتٍ مَا.
وَقَوْلُهُ: {قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ}
يَقُولُ: قَالَ نُوحٌ دَاعِيًا رَبَّهُ مُسْتَنْصِرًا بِهِ عَلَى قَوْمِهِ، لَمَّا طَالَ أَمْرُهُ وَأَمْرُهُمْ , وَتَمَادَوْا فِي غَيِّهِمْ: {رَبِّ انْصُرْنِي} عَلَى قَوْمِي {بِمَا كَذَّبُونِ}
يَعْنِي بِتَكْذِيبِهِمْ إِيَّايَ، فِيمَا بَلَّغْتُهُمْ مِنْ رِسَالَتِكَ , وَدَعَوْتُهُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِكَ.