وزعم أبو العباس أنَّ بينهما فرقاً ، وهو أن الباء يلزم معها مُصاحبة الفاعل للمفعول فِي ذلك الفِعْلِ الذي فبله ، والهزة لا يلزم فيها ذلك.
فإذا قلت:"ذهبت بزيد"فلا بُدَّ أن تكون قد صاحبته فِي الذِّهَاب فذهبت معه.
وإذا قلت: أذهبته جاز أن يكون قد صحبته وألاَّ يكون.
وقد رد الجمهور على المُبَرّد بهذه الآية ؛ لأن مصاحبته - تعالى - لهم فِي الذهاب مستحيلة.
ولكن قد أجاب [أبو الحسن] ابن عُصْفور عن هذا بأنه يجوز أن يكون - تعالى - قد أسند إلى نفسه ذهاباً يليق به ، كما أسند إلى نفسه - تعالى - المجيء والإتيان على معنى يليق به ، وإنما يُرَد عليه بقول الشاعر: [الطويل] .
دِيارُ الَّتِي كَانَتْ وَنَحْنُ عَلَى مِنَى...
تَحُلُّ بِنَا لَوْلاَ نَجَاءُ الرَكائِبِ
أي: تجعلنا جلالاً بعد أن كُنَّا مُحْرِمِين بالحج ، ولم تكن هي مُحْرِمَة حتى تصاحبهم فِي الحِلِّ ؛ وكذا قول امرئ القيس: [الطويل]
كُمِيْتٍ يَزِلُّ اللِّبْدُ عَنْ حَالِ مَتْنِهِ...
كَمَا زَلَّتِ الصَّفْواءُ بِالمُتَنَزِّلِ
"الصفواء"الصخرة ، وهي لم تصاحب الذي تزله.
والضمير فِي"بنورهم"عائد على مَعْنَى الذي كما تقدم.
وقال بعضهم: هو عائد على مُضاف محذوف وتقديره: كمثل أصحاب الذي استوقد ، واحتاج هذا القائل إلى هذا التقدير ، قال: حتى يتطابق المشبه والمشبه به ؛ لأنّ المشبه جمع ، فلو لم يقدر هذا المُضاف ، وهو"أصحاب"لزم أن يشبه الجمع بالمفرد وهو الذي استوقد.
ولا أدري ما الذي حمل هذا القائل على مَنْعِ تشبيه الجمع بالمفرد فِي صفة جامعة بينهما ، وأيضاً فإنَّ المشبّه والمشبه به إنما هو القصّتان ، فلم يقع التشبيه إلاَّ بين قصَّتين إحداهما مُضافة إلى جمع ، والأخرى إلى مُفْرد.