والتَّفْصيل لقوله أكد بقوله (ومنكرها) قوله (ووصفهم) أراد به الوصف مآلًا لأن الظَّاهر أن
قوله: (لا يبصرون) حال من الْمَفْعُول الأول والحال من المآل وصف وإن
كان فرق بَيْنَهُمَا في الْجُمْلَة ولو حمل كلامه عَلَى ظاهره لاحتاج إلَى تقدير عائد أي لا
يبصرون فيها ولاهم أن بعض الظلمة ليس كَذَلكَ يلائم قوله الظلمة هي عدم النور
وانطماسه بالكلية، إلا أن يقال إن الوصف ليس للاحتراز بل لمجرد التَّأْكيد وبهذا يأول قوله
(بأنها ظلمة خالصة) ولو ترك قوله وانطماسه بالكلية لكان ذلك الوصف احترازيًا كما هو
الأصل في الأوصاف، وَأَيْضًا إن للظلمة مراتب كثيرة كما نطق بها قَوْلُه تَعَالَى:(ظلمات
بعضها فوق بعض)الآية. كما أن للأضواء مراتب كثيرة ولو قيل منهم من
جعل الظلمة شرطًا لرؤية بعض الأشياء كالتي تلمع ويرى بالليل من الكواكب والشعل
البعيدة ولا يرى في النهار وما ذلك إلا لكون الظلمة شرطًا لرؤيته فيكون الوصف احترازيًا
قلنا إن هذا مردود كما فصل في المواقف وشرحه.
قوله: (لا يتراءى) أي بحَيْثُ لا يرى (فيها) شيء والتَّعْبير بالْفَاعل للمُبَالَغَة وأتى
(شبحان) مثنى شبح بشين معجمة وباء موحدة مفتوحتين وحاء مهملة الشخص الذي يرى
ولا يدرك تشخصاته لبعده كما إذا قيل متى رأيت شبحًا من بعيد فكذا لأن الْمُرَاد بهما
الرائي والمرئي من شأنهما أن يرى أحدهما الآخر لكن فيه نوع خلل؛ إذ الشبحان عدم رؤية
أحدهما الآخر لبعدهما لا لكون الظلمة ظلمة خالصة وهذا ينافي غرض الْمُصَنّف، فالأولى
أن يقال بحَيْثُ"إذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا"كما في النظم الجليل.
قوله: (وترك في الأصل) احتراز عَمَّا أريد هنا، والفرق بين (بمعنى طرح وخلى) هو
أن الطرح إلقاء الشيء ورميه من يده كطرح العصا من يده والتخلية أعم منه لأنه يصدق
على عدم التفات الشيء وإن لم يكن في يده سواء كان محسوسًا كترك دياره أو غيره كترك
دينه. ونقل عن الرَّاغب ترك الشيء رفضه قصدًا واختيارًا أو قهرًا واضطرارًا انتهى. والترك
الذي يترتب عليه المدح والذم ما هُوَ اختياري وأن المُتَعَارَف في الاسْتعْمَال ما يكون
بالقصد وما هُوَ بالاضطرار والإكراه يَنْبَغي أن يقيد به والنسيان داخل في الاضطرار وإلا فيرد
النقض به وما نقل عن المصباح تركت المنزل تركًا رحلت عنه [وتركت] الرجل فارقته ثم
اسْتُعيرَ للمعاني فقيل ترك حقه إذا أسقطه يشعر بأن الترك حَقيقَة في المحسوس ومجاز في
غيره خلاف ما فهم من كلام الرَّاغب (وله مَفْعُول واحد) .
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: وله مَفْعُول واحد يعني في الأصل يقال تركته بمعنى طرحته وخليته معدى إلَى مَفْعُول