ويرى الإمام الزمخشري أن"الذي"هو - هنا -"الذين"حذفت منه"النون"لاستطالته، وهو مثل"وخضتم كالذي خاضوا"وليس في الكلام تشبيه الجماعة بالواحد على هذا التأويل، وأن المشبه هو حال المنافقين، بحال الذي استوقد ناراً. تشبيه معنى مركب بمعنى مركب، وليس تشبيه ذوات المنافقين بذات الذي استوقد ناراً، فهذا غير مقصود، وإنما المقصود هو تشبيه قصة المنافقين المضروب لها المثل، بقصة المستوقد للنار، وأن وجه الشبه بين القصتين هو:"فبقوا خابطين في ظلام، متحيرين متحسرين على فوت الضوء، خائبين بعد الكدح في إحياء النار".
ويقول الإمام الشوكاني:
و"الذي"موضوع موضع الذين، أي كمثل الذين استوقدوا، وذلك موجود في كلام العرب، كقول الشاعر:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم
همُ القوم، كل القوم، يا أم خالد
ومنه"وخضتم كالذي خاضوا"و"والذي جاء بالصدق وصدَّق به، أولئك هم المتقون".
والخلاصة:
بعد هذا العرض لأئمة النحاة والمفسرين يتضح جلياً أن الاستعمال القرآني في"مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم"استعمال عربي فصيح في غاية الفصاحة، وله شواهد في كلام العرب المحتج بكلامهم، وإن كان القرآن غنياً عن الاستشهاد من خارجه على عروبته وسلامته من كل خطأ؛ لأنه من أصح مصادر اللغة العربية، ومع هذا فإن ما قاله الأئمة الأعلام يحيل شبهة هؤلاء المتطاولين على كتاب الله العزيز هباءً منثوراً، هذا هو دور النحو في إبطال هذه الشبهة، وللبلاغة دور مهم في الرد عليهم نلخصه في الآتي:
إن المثل في الآية مسوق أساساً لتمثيل شأن المنافقين، أما قوله تعالى:"كمثل الذي استوقد ناراً"، فأمر عارض اقتضاه مقام الحديث عن تمثيل حال المنافقين فهو أشبه ما يكون بالجملة الاعتراضية، لولا أنها مشبه به، ولما أدت الدور المراد منها تحول الحديث إلى الأصل المسوق من أجله الكلام، وبدأ هذا التحول من قوله تعالى:"ذهب الله بنورهم"فَجَمْعُ الضمير في"بنورهم"منظور فيه إلى نظيره في"مثلهم"فكان ضمير الجمع في"بنورهم"مطابقاً أصالة لمقام الحديث أما"الذي استوقد ناراً"فصار مسكوتاً عنه بعد آداء دوره المراد منه.
وعلى هذا فإن التوجيه البلاغي لجمع الضمير في"بنورهم"يغنى عن التوجيهات التي أبداها النحاة والمفسرون إذ لا معول في التوجيه البلاغي على اعتبار"الذي"بمعنى الذين، أو هو"الذين"حذف منه النون.