{أو لايرون أنهم يفتنون فِي كل عام مرة أو مرتين} [التوبة: 26] {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما فِي قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون} [التوبة: 64] وثانيها قوله و"ويمدهم فِي طغيانهم"هو من مد الجيش أمده إذا زاده وألحق به ما يقوّيه ، وكذلك مد الدواة والسراج زادهما ما يصلحهما . وإنما قلنا: إنه من المدد لا من المد فِي العمر والإمهال لقراءة نافع فِي موضع آخر {وإخوانهم يمدونهم فِي الغي} [الأعراف: 202] على أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له مع اللام كأملى له قاله فِي الكشاف ، وهو مخالف لنقل الجوهري مده فِي غيه أي أمهله . والطغيان الغلو فِي الكفر ومجاوزة الحد فِي العتوّ ، ومعنى مدد الله تعالى إياهم فِي الطغيان يعرف من تفسير {ختم الله على قلوبهم} وقد يوجه بأنه لما منعهم ألطافه التي منحها المؤمنين بقيت قلوبهم يتزايد الرين والظلمة فيها تزايد الانشراح والنور فِي صدور المؤمنين ، فسمي ذلك التزايد مدداً . أو بأنه لم يقسرهم ، أو بأنه أسند فعل الشيطان إلى الله تعالى لأنه بتمكينه وإقداره ، ولا يخفى ما فِي هذا التوجيه من التكلف ، لأنه انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب . ومن هذا القبيل ما قيل: إن النكتة فِي إضافة الطغيان إليهم هي أن يعلم أن التمادي فِي الضلالة مما اقترفته أنفسهم ، وأن الله بريء منه ، فإن الانتهاء إلى الله تعالى لما كان ضرورياً فكيف يتبرأ من ذلك؟"ويعمهون"فِي موضع الحال . والعمه كالعمى ، إلا أن العمى فِي البصر وفي الرأي ، والعمه فِي الرأي خاصة وهو التحير والتردد لا يدري أين يتوجه . وثالثها: قوله {أولئك الذي اشتروا الضلالة بالهدى} أي اختاروها عليه واستبدلوها به ، وهذه استعارة لأن الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر قال أبو النجم:
أخذت بالجمة رأساً أزعرا ... وبالثنايا الواضحات الدردرا
وبالطويل العمر عمراً جيدراً ... كما اشترى الملم إذ تنصرا