هذا هو النوع الثالث من قبائح أفعال المنافقين ، وذلك أن المؤمنين أتوهم فِي النصيحة من وجهين: أحدهما: تقبيح ما كانوا عليه مما يجرّ إلى الفساد والفتنة ، والثاني: دعوتهم إلى الطريقة المثلى من اتباع ذوي الأحلام . وبعبارة أخرى أمرهم أولاً بالتخلية عما لا ينبغي ، وثانياً بالتحلية بما ينبغي لأن كمال حال الإنسان فِي هاتين . وكان من جوابهم فيما بينهم أو للقائل أن سفهوهم لتمادي سفههم ، وفي هذا تسلية للعالم إذا لم يعرف حقه الجاهل .
وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل
وما فِي"كما"يجوز أن تكون كافة تصحح دخول الجار على الفعل وتفيد تشبيه مضمون الجملة بالجملة كقولك: يكتب زيد كما يكتب عمرو ، أو زيد صديقي كما عمرو أخي . ويجوز أن تكون مصدرية مثلها فِي {بما رحبت} [التوبة: 25 ، 118] واللام فِي الناس للعهد أي كما آمن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه وهم ناس معهودون أي ليكن إيمانكم ثابتاً كما أن إيمان هؤلاء ثابت ، أو ليحصل إيمانكم كحصول إيمان هؤلاء ، أو آمنوا كما آمن عبد الله بن سلام وأتباعه لأنهم من جلدتهم أي كما آمن أصحابكم .
ويحتمل أن تكون للجنس أي كما آمن الكاملون فِي الإنسانية من الإقرار اللساني الناشئ عن الاعتقاد القلبي ، أو جعل المؤمنون كأنهم الناس ومن عداهم كالنسناس فِي عدم التمييز بين الحق والباطل . والاستفهام فِي"أنؤمن"فِي معنى الإنكار ، واللام فِي"السفهاء"مشار بها إلى الناس كقولك لصاحبك: إن زيداً قد سعى بك . فتقول: أوقد فعل السفيه؟ أو للجنس وينطوي تحته الجاري ذكرهم على زعمهم لأنهم عندهم أعرق الناس فِي السفه وهو ضد الحلم ، وأصله الخفة والحركة يقال: تسفهت الريح الشجر إذا مالت به ، قال ذو الرمة:
جرين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم