يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها [البقرة: 167] . ثم إن قوله"وما هم بمؤمنين"يحتمل أن يكون مقيداً وترك لدلالة التقييد فِي"آمنا". ويحتمل الإطلاق أي أنهم ليسوا من الإيمان فِي شيء قط ، لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر ولا من الإيمان بغيرهما .
البحث الثاني: فِي قوله {يخادعون الله} إلى {يكذبون} .
أعلم أن الله ذكر من قبائح أفعال المنافقين أربعة أشياء: أحدها المخادعة وأصلها الإخفاء ، ومنه سميت الخزانة المخدع . والأخدعان عرفان فِي العنق خفيان . وخدع الضب خدعاً إذا توارى فِي جحره فلم يظهر إلا قليلاً . والخديعة مذمومة لأنها إظهار ما يوهم السداد والسلامة وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير أو التخلص منه ، فهي بمنزلة النفاق فِي الكفر والرياء فِي الأفعال الحسية .
فإن قيل: مخادعة الله والمؤمنين لا تصح لأن العالم الذي لا يخفى عليه خافية لا يخدع ، والحكيم الحليم الذي لا يفعل القبيح لا يخدع ، والمؤمنين وإن جاز أن يخدعوا كما قال ذو الرمة:
تلك الفتاة التي علقتها عرضاً ... إن الحليم ذا الإسلام يختلب