ثم نقول: إن الزمخشري رجل معتزلي غالٍ في الاعتزال، حرف القرآن عن مواضعه ليوافق مذهبه، واضطره ذلك - فيما حكى عنه السخاوي - حتى حمل قوله تعالى: (وَلا تُطِعْ منْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذكْرنا) على معنى:"أصبناه غافلا، كما يقال: أجبنت الرجل إذا وجدته كذلك، ونسي قوله: (اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) الآية ونظائرها."
وها هنا إشكال إذا ضويق القدرية فزعوا إليه، وهو: أن الله - سبحانه وتعالى - إذا خلق الفعل، فإما أن يمكن العبد تركه، أو لا، والأول تعجيز للرب حيث لم يتم مراده، والثاني إلجاء للعبد، إذ لا يعني بالإلجاء إلا اضطراره إلى الفعل على وجه لا يمكنه التخلص منه.
ونقول: إن اللّه - سبحانه - إنما يخلق أسباب الفعل ودواعيه الأولية، ثم حقيقة الفعل توجد بكسب العبد مرتبة على تلك الأسباب، والإلجاء لا يعرفه إلا بالمباشرة كما مثلتم في من ربط شخصا، وألقاه من جبل ثم توعده على السقوط.
أما حتم وقوع الأسباب والوسائط فلا نراه إلجاء فإن سميتموه إلجاء فهو نزاع في العبارة، ثم يلزمكم أن لا يستحق على الطاعة ثواب، لأن فاعلها ملجأ إليها، والثواب إنما هو لمن أطاع اختياراً.
وذلك لأن الطاعات مترتبة بكسب الآدمي على أسبابها المخلوقة للّه، كما أن المعاصي كذلك.
والقدرية يجعلون ثواب الطاعة مستحقا عليها ومعلولا لها.
ثم يقال لهم: هل يلزم من خلق الفعل والعقوبة عليه غير القبح والتجوير؟
ثم هو لازم على قولكم في خلق القدرة على الفعل، فإن اللّه - سبحانه - يخلقها، ويتسبب بها إلى إيقاع المعاصي من خلقه، ولو لم يخلق لهم قدرة عليها لم تقع منهم.
وأجمع العقلاء على أن التسبب إلى القبيح قبيح، وإذا لزم القبح على المذهبين لم يكن أحدهما أولى بالفساد من الآخر، ثم يرجع إلى نصوص الشرع وهي في طرفنا. واللّه أعلم. انتهى انتهى {الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية، للطوفي} ...