كذلك الله سبحانه إذا اعتنى بعبده جعل التوفيق له إلى الموت حليفه، يمنعه من مفارقة الطاعات، ومقارفة المعاصي، وإذا غضب عليه لم يصحبه التوفيق، وذلك هو خذلانه له، فقارف المعاصي، وفارق الطاعات، فكان شقيا.
فحقيقة القدر إذا حققت وجدت عدمية، وهي كون اللّه - سبحانه - لا يتفضل على عبده بالتوفيق العاصم من الهلاك، وليس عليه - سبحانه - ذلك بناء على أصلنا في أنه لا يجب عليه رعاية الأصلح لخلقه، بل يتفضل به تفضلاً، فاللّه - سبحانه - لا يلجئ أحداً إلى شر، لكن يخلي بينه وبين الشر.
وفرق بين أنك تترك تخفير رجل في الطريق فيقتل، وبين أن تقطع عليه الطريق فتقتله، وبين أنك تراه يريد أن يلقي نفسه من جبل فلا تمنعه، وبين أن تدفعه عنه فيقع. فإن الأول ترك يقع، وهو عدم محض، والثاني فعل ضرر محض، ولهذا أجمع الفقهاء: على أن من أخذ شخصا فغطسه في الماء حتى اختنق يقاد به، وعلى أن من رأى إنسانا في الماء قد كاد أن يغرق، وقدر على تخليصه فلم يخلصه حتى غرق، لا يقتل. لكن في ضمانه له الدية، خلاف الأصح أيضا النفي، وما ذاك إلا لما ذكرنا من الفرق.
وأصل هذه المسألة إذا حققت رعاية الأصلح.
وقد أشير في نبوءة أرمياء إلى حقيقة القدر، حيث يقول الرب - سبحانه - لعصاة بني إسرائيل:"كما لا يقدر الهندي أن يغير سواد جلده، والنمر تبقيعه، كذلك أنتم لا تقدرون على الإحسان والخير، لأنكم قد تعودتم الشر".
وتقرير هذا: أن الباري - سبحانه - ركز في طباع العالم وجبلاتهم، الميل إلى أفعالهم من خير وشر، كما ركز الإحراق في طبيعة النار، والإغراق في طبيعة الماء، وكما وضع السواد في الجسم، والتبقيع في النمر والفهد والغراب الأبقع، والسم في الحية والظلم والاستيلاء في طبع السبع، لكنه أجرى فعل تلك الطبائع على كسب أهلها.
فعلى الكسب يترتب الجزاء، وعلى
ركز الفعل في الطبع، وتحريك الداعي له، وهو خلقه المنسوب إلى الله سبحانه يترتب التسليم، واللّه بكل شيء عليم.
وقد استقصيت القول في مسألة"القدر"في كتاب مفرد، سميته:"درء القول القبيح بالتحسين والتقبيح"
على وجه بليغ واضح، لمن عقل الأسرار الإلهية. واللّه أعلم.
وأما ما حكى عن الزمخشري، فهو صحيح. لكنه أسرف في تغليظ العبارة فإنا ننزه الله - تعالى - عن أن يعاقب على فعل ألجأ إليه - كما بينا.