وعاشرها: الآيات الدالة على أن تكليف ما لا يطاق لم يوجد ، قال الله تعالى: {لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وقال: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والاغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: 157] وأي حرج ومشقة فوق التكليف بالمحال المقام الثالث الجواب على سبيل التفصيل ، للمعتزلة فيه طريقان: الأول: طريقة أبي علي وأبي هاشم والقاضي عبد الجبار ، فإنا لما قلنا: لو وقع خلاف معلوم الله تعالى لانقلب علمه جهلاً قالوا خطأ: قول من يقول: إنه ينقلب علمه جهلاً ، وخطأ أيضاً قول من يقول: إنه لا ينقلب ، ولكن يجب الإمساك عن القولين: والثاني: طريقة الكعبي واختيار أبي الحسين البصري: أن العلم تبع المعلوم ، فإذا فرضت الواقع من العبد من الإيمان عرفت أن الحاصل فِي الأزل لله تعالى هو العلم بالإيمان ، ومتى فرضت الواقع منه هو الكفر بدلاً عن الإيمان عرفت أن الحاصل فِي الأزل هو العلم بالكفر بدلاً عن الإيمان ، فهذا فرض علم بدلاً عن علم أخر ، لا أنه تغير العلم.
فهذان الجوابان هما اللذان عليهما اعتماد جمهور المعتزلة.
واعلم أن هذا المبحث صار منشأ لضلالات عظيمة: فمنها أن منكري التكاليف والنبوات قالوا: قد سمعنا كلام أهل الجبر فوجدناه قوياً قاطعاً ، وهذان الجوابان اللذان ذكرهما المعتزلة يجريان مجرى الخرافة ولا يلتفت العاقل إليهما ، وسمعنا كلام المعتزلة فِي أن مع القول بالجبر لا يجوز التكليف ويقبح ، والجواب الذي ذكره أهل الجبر ضعيف جداً فصار مجموع الكلامين كلاماً قوياً فِي نفي التكاليف ، ومتى بطل ذلك بطل القول بالنبوات.