ويجوز أن يقال: إن الكافر لما دعاه الله إلى توحيده فقد دعاه إلى نعمة أوجبها له إذا أجابه إلى ما دعاه إليه، فإذا لم يجب كان كافرا لتلك النعمة، أي: مغطيا لها، مكذبًا بها، حاجبا لها عنه.
قال شمر: قال بعض أهل العربية: الكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر معاندة، وكفر نفاق، من لقي ربه بشيء من ذلك
لم يغفر له.
فأما كفر الإنكار: فهو أن يكفر بقلبه ولسانه ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد.
وكذلك روي في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 6] ، أي: الذين كفروا بتوحيد الله.
وأما كفر الجحود: فأن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه، فهذا كافر جاحد ككفر إبليس، وكفر أمية بن أبي الصلت، ومنه قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} [البقرة: 89] ، يعني: كفر الجحود. وأما كفر المعاندة: فهو أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه، ويأبى أن يقبل، ككفر أبي طالب حيث يقول:
ولقد علمتُ بأنّ دين محمد ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامةُ أو حِذارُ مسَبّةٍ ... لوجدتَني سمحاً بذاك متينا
وأما كفر النفاق: فأن يقر بلسانه ويكفر بقلبه.
قال: والكفر - أيضا - يكون بمعنى: البراءة، كقول الله عز وجل خبرًا عن الشيطان {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ} [إبراهيم: 22] ، أي تبرأت. ويقال: كفر كفراً وكفوراً، كما يقال: شكر شكراً وشكوراً قال الله تعالى: {فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} [الإسراء:89] .
وقوله تعالى: {سَوَآءُ عَلَيهِم} . السواء، والعدل، والوسط، والقصد، والنصف: ألفاظ متقاربة في المعنى. يقال للعدل: السواء، قال زهير.
أرُوني خُطَّةً لا خَسْفَ فيها ... يُسَوِّي بيننا فيها السَّوَاءُ
وأنشد أبو زيد لعنترة:
أبَينا فلا نُعطي السَّواءَ عدوَّنا ... قيامًا بأعضاد السَّراءِ المُعَطَّفِ
و (السواء) : وسط الشيء ، ومنه قوله: {فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 55] .
و (سواء) مأخوذ من الاستواء والتساوي، وهو الاعتدال، قال الشاعر:
وليلٍ يقولُ المرءُ من ظلماته ... سواءٌ صحيحاتُ العيونِ وعُورُها
أي: معتدلة في البصر والإدراك.
وقالوا: سِيٌّ بمعنى: سواء، كما قالوا: قِيّ وقَواء، ولا يثنى (سواء) كما ثني (سيان) وإن كانوا قد جمعوه جمع التكسير في قولهم:
(سواسية) .