وقول الأمير لا يفارق ذاته .
فإن قيل: كيف يسمع جبريل كلام الله ، وكلامه ليس من الحروف والأصوات ؟
قلنا: يحتمل أن يخلق الله له سماعا لكلامه ، ثم أقدره على عبارة يعبر بها عن
ذلك الكلام القديم.
ويجوز أن يكون الله تعالى خلق فِي اللوح المحفوظ كتابه بهذا النظم
المخصوص ، فقرأه جبريل فحفظة.
ويجوز أن يخلق أصواتا مقطعة بهذا النظم المخصوص ، فِي جسم مخصوص ،
فتلقفه جبريل ، ويخلق له علما ضروريا بأنه هو العبارة المؤدية لمعنى ذلك الكلام
القديم. انتهى .
قوله: (وإنما عبر عنه بلفظ المضي) إلى آخره
قال الشيخ سعد الدين: فعلى الأول هو مجاز باعتبار تسمية الكل باسم الجزء ،
وعلى الثاني استعارة باعتبار تشبيه غير المتحقق بالمتحقق.
قال: ويرد على كلا الوجهين:
أَولاً: أنه جمع بين الحقيقة والمجاز ، ولا يتصور معنى مجازي يعم المعنى
الحقيقي والمجازي ، ليكون من عموم المجاز.
والجواب أن الجمع هو أن يراد باللفظ معناه الحقيقي والمجازي ، على أن كلا
منهما مراد باللفظ ، وهاهنا أريد المعنى الذي بعض أجزائه من أفراد الحقيقة دون
البعض.
وثانيا: أن وجوب اشتمال الإيمان على السالف والمترقب لا ينافي الإخبار
عنهم فِي ذلك الوقت بأنهم يؤمنون بالفعل السالف ، إذ الإيمان بالمترقب إنما يكون
عند تحققه ، وإن أريد الإيمان بأن كل ما ينزل فهو حق ، فهذا حاصل الآن من غير
حاجة إلى اعتبار تحقق نزوله.
والجواب أنه لما وجب ذلك وجب فِي مقام الإخبار عنهم بأنهم يؤمنون بكل
ما يجب الإيمان به أن يتعرض لذلك ، سيما وقد أورد (يؤمنون) بلفظ المضارع
المنبئ عن الاستمرار ، وعدم الاقتصار على الماضي .
قال: والإشكال فِي آية (إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى)
أقوى ، فإن السماع لم يتعلق إلا بما تحقق إنزاله بالحقيقة ، فكيف يكون
سبيله سبيل ما ذكر من جعل غير المتحقق بمنزلة المتحقق.