يحتمل قوله: (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) لما عندهم أنه كان على دينهم الذي هم عليه لما لم يروا منه عبادته لله فيما عبده سرا، فقالوا: (لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) على ما كان عندهم أنه على ذلك؛ وهو كما قالوا لصالح: (قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا) كان عندهم أنه على دينهم قبل ذلك، فعلى ذلك يحتمل قول هَؤُلَاءِ لتعودن من العود إلى ما كان عندهم أنه على ذلك.
ويحتمل على ابتداء الدخول فيها والاختيار؛ كقوله: (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) .
على منع الدخول فيها؛ لا أنهم كانوا فيها، ثم أخرجهم فعلى ذلك الأول.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ) .
يقول: لنعودن في ملتكم، وإن كنا كارهين، أي: قد تأبى عقولنا، وتكره طباعنا من الدخول في ملتكم فكيف نعود فيها؟ (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ...(89)
يحتمل قوله: (إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ) وجوهًا ثلاثة:
أحدها: أن ذلك منه إخبار عن قومه لا عن نفسه، أي: افتروا على اللَّه كذبًا إن عادوا في ملتكم بعد إذ نجاهم اللَّه منها، وما يجوز لهم أن يعودوا فيها، وأما هو فإنما أجابهم عن نفسه بما ذكر في سورة هود: (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ) . أجاب هو قومه كما أجاب غيره من الرسل قومهم حين أوعدوهم بالقتل والعقوبة، كما قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -:"ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ"، وكما قال هود: (أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ(54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ)، ونحو ذلك من الجوابات التي كانت من الأنبياء - عليهم السلام - لأقوامهم.