قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَكَرَ شُعَيْبًا، قَالَ: «ذَاكَ خَطِيبُ الْأَنْبِيَاءِ» لِحُسْنِ مُرَاجَعَتِهِ قَوْمِهِ فِيمَا يُرَادُ بِهِمْ، فَلَمَّا كَذَّبُوهُ وَتَوَعَّدُوهُ بِالرَّجْمِ وَالنَّفْيِ مِنْ بِلَادِهِمْ، وَعَتَوْا عَلَى اللَّهِ، أَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ، فَبَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَدْيَنَ يُقَالُ لَهُ عَمْرُو بْنُ جَلْهَاءَ لَمَّا رَآهَا قَالَ
[البحر البسيط]
يَا قَوْمُ إِنَّ شُعَيْبًا مُرْسَلٌ فَذَرُوا ... عَنْكُمْ سَمِيرًا وَعِمْرَانَ بْنَ شَدَّادِ
إِنِّي أَرَى غَيْمَةً يَا قَوْمِ قَدْ طَلَعَتْ ... تَدْعُو بِصَوْتٍ عَلَى صَمَّانَةِ الْوَادِي
وَإِنَّكُمْ إِنْ تَرَوْا فِيهَا ضُحَاةَ غَدٍ ... إِلَّا الرَّقِيمَ يُمَشِّي بَيْنَ أَنْجَادِ
وَسَمِيرٌ وَعِمْرَانُ: كَاهِنَاهُمْ، وَالرَّقِيمُ: كَلْبُهُمْ
الْقَولُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَهْلَكَ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، فَأَبَادَهُمْ، فَصَارَتْ قَرْيَتُهُمْ مِنْهُمْ خَاوِيَةً خَلَاءً {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا}
يَقُولُ: كَأَنْ لَمْ يَنْزِلُوا قَطُّ، وَلَمْ يَعِيشُوا بِهَا حِينَ هَلَكُوا، يُقَالُ: غَنِيَ فُلَانٌ بِمَكَانِ كَذَا فَهُوَ يَغْنَى بِهِ غِنًى وَغُنَيًّا: إِذَا نَزَلَ بِهِ وَكَانَ بِهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الرمل]
وَلَقَدْ يَغْنَى بِهِ جِيرَانُكَ الْ ... ـمُمْسِكُو مِنْكَ بِعَهْدٍ وَوِصَالٍ
وَقَالَ رُؤْبَةُ:
[البحر الرجز]
وَعَهْدُ مَغْنَى دِمْنَةٍ بِضَلْفَعَا
إِنَّمَا هُوَ مَفْعَلٌ مِنْ غَنِيَ.
وَقَوْلِهِ: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ}