وَقِيلَ: {وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ} وَلَوْ قِيلَ فِي غَيْرِ الْقُرْآنِ: لَا تَقْعُدُوا فِي كُلِّ صِرَاطٍ كَانَ جَائِزًا فَصِيحًا فِي الْكَلَامِ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ الطَّرِيقَ لَيْسَ بِالْمَكَانِ الْمَعْلُومِ، فَجَازَ ذَلِكَ كَمَا جَازَ أَنْ يُقَالَ: قَعَدَ لَهُ بِمَكَانِ كَذَا، وَعَلَى مَكَانِ كَذَا، وَفِي مَكَانِ كَذَا. قَالَ: {تُوعِدُونَ} وَلَمْ يَقُلْ: (تَعِدُونَ) ، لِأَنَّ الْعَرَبَ كَذَلِكَ تَفْعَلُ فِيمَا أَبْهَمَتْ وَلَمْ تُفْصِحْ بِهِ مِنَ الْوَعِيدِ، تَقُولُ: (أَوْعَدْتُهُ) بِالْأَلِفِ، (وَتَقَدَّمَ مِنِّي إِلَيْهِ وَعِيدٌ) ، فَإِذَا بَيَّنَتْ عَمَّا أَوْعَدَتْ وَأَفْصَحَتْ بِهِ قَالَتْ: (وَعَدْتُهُ خَيْرًا، وَوَعَدْتُهُ شَرًّا) بِغَيْرِ أَلِفٍ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا}
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ} فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَتَرُدُّونَ عَنْ طَرِيقِ اللَّهِ وَهُوَ الرَّدُّ عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ مَنْ آمَنَ بِهِ، يَقُولُ: تَرُدُّونَ عَنْ طَرِيقِ اللَّهِ مَنْ صَدَّقَ بِاللَّهِ وَوَحَّدَهُ.
{وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا}
يَقُولُ: وَتَلْتَمِسُونَ لِمَنْ سَلَكَ سَبِيلَ اللَّهِ وَآمَنَ بِهِ وَعَمِلَ بِطَاعَتِهِ، عِوَجًا عَنِ الْقَصْدِ وَالْحَقِّ إِلَى الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ.
وَقَوْلُهُ: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} : يُذَكِّرُهُمْ شُعَيْبٌ نِعْمَةَ اللَّهِ عِنْدَهُمْ بِأَنْ كَثَّرَ جَمَاعَتَهُمْ بَعْدَ أَنْ كَانُوا قَلِيلًا عَدَدُهُمْ، وَأَنْ رَفَعَهُمْ مِنَ الذِّلَّةِ وَالْخَسَاسَةِ. يَقُولُ لَهُمْ: فَاشْكُرُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ وَأَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ، وَاتَّقُوا عُقُوبَتَهُ بِالطَّاعَةِ، وَاحْذَرُوا نِقْمَتَهُ بِتَرْكِ الْمَعْصِيَةِ.
{وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} ، يَقُولُ: وَانْظُرُوا مَا نَزَلَ بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ حِينَ عَتَوْا عَلَى رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ مِنَ الْمَثُلَاتِ وَالنِّقَمَاتِ، وَكَيْفَ وَجَدُوا عُقْبَى عِصْيَانِهِمْ إِيَّاهُ، أَلَمْ يَهْلِكْ بَعْضُهُمْ غَرَقًا بِالطُّوفَانِ، وَبَعْضُهُمْ رَجْمًا بِالْحِجَارَةِ، وَبَعْضُهُمْ بِالصَّيْحَةِ؟ وَالْإِفْسَادُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْنَاهُ: مَعْصِيَةُ اللَّهِ.