بأية حال حكموا فيك فاشتطوا... وما ذاك إلاّ حيث يممك الوخط
{وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الإنس والجن عَلَى الله كَذِباً} أي: إنا حسبنا أن الإنس والجنّ كانوا لا يكذبون على الله بأن له شريكاً وصاحبة وولداً ، فلذلك صدّقناهم في ذلك حتى سمعنا القرآن ، فعلمنا بطلان قولهم ، وبطلان ما كنا نظنه بهم من الصدق ، وانتصاب كذباً على أنه مصدر مؤكد ليقول ؛ لأن الكذب نوع من القول ، أو صفة لمصدر محذوف ، أي: قولاً كذباً.
وقرأ يعقوب ، والجحدري ، وابن أبي إسحاق:"أن لن تقوّل"من التقوّل ، فيكون على هذه القراءة كذباً مفعول به {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ الجن} قال الحسن ، وابن زيد ، وغيرهما: كان العرب إذا نزل الرجل بوادٍ قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه ، فيبيت في جواره حتى يصبح ، فنزلت هذه الآية.
قال مقاتل: كان أوّل من تعوّذ بالجنّ قوم من أهل اليمن ، ثم من بني حنيفة ، ثم فشا ذلك في العرب ، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم {فَزَادوهُمْ رَهَقاً} أي: زاد رجال الجنّ من تعوذ بهم من رجال الإنس رهقاً أي: سفهاً وطغياناً ، أو تكبراً وعتوّاً ، أو زاد المستعيذون من رجال الإنس من استعاذوا بهم من رجال الجنّ رهقاً ؛ لأن المستعاذ بهم كانوا يقولون: سدنا الجنّ والإنس.
وبالأوّل قال مجاهد ، وقتادة ، وبالثاني قال أبو العالية ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، وابن زيد.
والرهق في كلام العرب: الإثم وغشيان المحارم ، ورجل رهق: إذا كان كذلك ، ومنه قوله: {تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} [المعارج: 44] أي: تغشاهم ، ومنه قول الأعشى:
لا شيء ينفعني من دون رؤيتها... هل يشتفي عاشق ما لم يصب رهقا
يعني: إثماً.
وقيل: الرهق: الخوف ، أي: أن الجنّ زادت الإنس بهذا التعوّذ بهم خوفاً منهم.