فإذا بلغ الرسول ذلك صح أن يقال قال الرسول كذا وهذا قول الرسول أي قاله مبلغاً وهذا قوله مبلغاً عن مرسله ولا يجيء في شيء من ذلك تكلم لهم بكذا وكذا ولا تكلم الرسول بكذا وكذا ولا أنه بكلام رسول كريم ولا في موضع واحد بل قيل للصديق وقد تلى آية. هذا كلامك وكلام صاحبك.
فقال ليس بكلامي ولا كلام صاحبي هذا كلام الله.
(فصل)
الأمر الثالث ما تضمنه قوله {تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
إن ربوبيته الكاملة لخلقه تأبى أن يتركهم سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يرشدهم إلى ما ينفعهم ويحذرهم ما يضرهم بل يتركهم هملاً بمنزلة الأنعام السائمة فمن زعم ذلك لم يقدر رب العالمين قدره ونسبه إلا ما لا يليق به تعالى {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} .
ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله وأنه لم يتقول عليه فيما قاله وأنه لو تقول عليه لما أقره ولعاجله بالإهلاك فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه وأضل عباده واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم وأظهر في الأرض الفساد والجور والكذب وخالف الخلق فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأقدر القادرين أن يقره على ذلك بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بأهل الحق يسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلاً إن الله أمرني بذلك وأباحه لي بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها فيصدقه بإقراره وبالآيات المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق
كدلالة التصديق بالقول وأظهر ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها فكل آية على انفرادها مصدقة له ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق تصديق كل آية بمفردها ثم يعجز الخلق عن معارضته ثم يصدقه بكلامه وقوله ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه فيشهد له بإقراره وفعله وقوله فمن أعظم المحال وأبطل الباطل وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفترى عليه الذي هو شر الخلق على الإطلاق فمن جوز على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم فما آمن بالله قطعاً ولا عرف الله ولا هذا هو رب العالمين ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من عقل وحكمة وحجة ومن فعل ذلك فقد أزرى بنفسه ونادى على جهله