فإن كانت الجن تصحب - صلى الله عليه وسلّم - في سفره وانفراد بنفسه، واجتماعه مع إخوانه، وحين يخلو به أو يريد أن يقضي لنفسه حاجة، أو يقيم على أحد برهانا ودلالة حتى أن دعا الشجرة قلعتها وأحضرتها إلى غير ذلك ما أضافه الطاغون إلى الجن.
فقد كانت إذاً مسخرة له وتسخيرها لأحد من الإنس خلاف العادة.
ولم يكن فيما مضى إلا لنبي، فهو إذاً نبي.
وأيضاً فلو كانت جن تفعل ذلك موالاة للنبي - صلى الله عليه وسلّم - ، وميلاً إليه بطبعها، لعلمت جن آخرون لمخالفته مثلها منها أياها وميلاً إليها بطبعها، ألا ترى أن القتال لما وقع بينه (وبين) قريش أعانه من الموافقين من أعانه، وأعانت قريشاً أيضاً من مواقفها من أعانها فهكذا كان ينبغي أن تعمل الجن، فإذا أعانته جن بما يكون له من المشركين أعانت المشركين جن مخالفون له وموافقون لهم مثله، كيلا يجد إلى الاحتجاج عليهم سبيلا.
ولما لم يكن ذلك، علم أن ما كان من هذه الأمور، فلم يكن للجن عمل فيها وبالله التوفيق.
وأيضاً فإن قالوا: علمت النبي - صلى الله عليه وسلّم - بعمل لا يقدر الإنس على مثله، ليتوصل بذلك إلى دعوى أنه نبي، كان أقل ما يقدر عليه جن آخرون، أن يخبروا الذين كانوا يأتونهم من الكهان بذلك فتدوم الكهانة، ويعلم الناس من قبل الكهان ما يظهر للناس من الأمور المخالفة للعادة، فهو من قبل الجن، ولم لم يقدر على ذلك، علم أنه لم يكن للجن إليه سبيل وبالله التوفيق.
وأيضاً فإن الشياطين إن قدروا على قلع الشجرة التي لا يقدر الآدمي على قلعها فلا يقدر على إعادتها وركزها وإعلامها حتى تعود في الحال كما كانت، فإن الآدميين قد يتعاونون على القلع أيضاً ثم لا يقدرون على أن يعيدوها راسخة ثابتة في الحال كما كانت، والحديث الذي روي فيه دعاء النبي وإقبالها روي فيه أيضاً: أنه لما قضى حاجته أمرها أن تعود فعادت إلى مكانها كما كانت لا ينلز منها شيء، فثبت أن ذلك لم يكن من قبل الجن، وإنما كان من الله الذي لا يعجزه شيء وبالله التوفيق.
وأيضاً فإن الأخبار ما دل على أن أمر الشجرة لم يكن من عمل الجن لأنه روى عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إن النبي - صلى الله عليه وسلّم - قال: «إني أمرت أن أتلو القرآن على الجن فمن يذهب معي، فسكتوا، ثم الثانية فسكتوا، ثم الثالثة، فقال عبد الله: أنا أذهب معك يا رسول الله.