وقد علم أن نبينا - صلى الله عليه وسلّم - ، كان أوفى الناس نفساً وأحمدهم شمائل، وأرضاهم أنحاء ومذاهب، وأصدقهم لساناً وأبينهم أمانة.
كذلك كان قبل النبوة، وكان يدعى بينهم الأمين، ثم إزداد فيها حمداً وفضلاً، فكان أبعد الناس من أن تؤاتيه مسترقة السمع من الجن، أو تسأله أو تصحبه.
فثبت من هذا الوجه أيضاً بعده عن الكهانة، وهذا هو المعنى الذي أشار الله تعالى إليه بقوله: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} .
وبالله التوفيق
ومنها أن أمره لو كان من قبل الكهانة لم يخل الجني الذي كان يأتيه من أن يكون مؤمناً أو كافراً، فإن كان كافراً استحال أن يأتيه بغرض الإيمان، وعبادة الرب ويحمد الكفر، وقتال جميع طبقات الكفار.
فإن كان مؤمناً إستحال أن يقول له وهو ليس بنبي نبياً، وادعى أن الله تعالى أوحى إليك ونبأَك، لأن من أمر بهذا غيره، أو رضي به كفر! فكيف إذا ظاهره على ذلك بأشياء تشبه في ظواهرها المعجزات ليحيل بها الناس صرفه نحو الحنين عند الجميع، ليرى الناس أن ذلك الحنين الجزع، أو قوله عند الذراع: إن مسمومة، ليتوصل القول له ذلك إلى أن يدعي الذراع كلمته.
وإذا كان كذلك، صح أن أمره لم يكن من قبل الكهانة، ولا علمه كان من جهة مسترقة السمع، فإن ذلك لو كان لم يخل الجني الذي يحضره ويكلمه من أن يكون كافراً أو مؤمناً، وقد بينا أن ذلك غير ملائم لواحدة من الحالين.
فبطل أن يكون للجن إليه سبيل أَصلاً، وبالله التوفيق.
ومنها أن الكهان لم يكن بينهما أمر ولا نهي ولا وعظ ولا وعد ولا وعيد، وكان الأغلب مما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلّم - الدعاء إلى الله تبارك وتعالى، وبيان أحكامه والإرشاد إلى عبادته والوعظ والتبصير والإنذار والتبشير، كما كذلك كان الذي جاء به موسى وعيسى عليهما السلام، وتبرئتهما من الكهانة، فليقل في نبينا - صلى الله عليه وسلّم - قوله فيهما، لأن الذي جاء به كان نظير الذي جاء به موسى وعيسى، أنه لا نظير كهانة الكهان.