فلو كان مايقوله إنما يسمعه من مسترقه السمع وكان الإستراق بحالة، والكهانة حالها الكذب وسائر الكهان، ويكون تابع كل كاهن لصاحبه، إنما يأتي محمد أمياً فلان، وإنه واحد منكم، ولأخبر الكهان بذلك للناس ليتمكنوا من كهانتهم، كما كانوا متمكنين منها قبل.
فلما اسكتوا وبطل أمرهم وانقطع التواقع إليهم لعدم العلم الذي كان يوجد فيما مضى عندهم ثبت أن الكهان إنما عجزوا عن الطعن في النبي - صلى الله عليه وسلّم - ، فلم يدعوا أنه من طبقتهم، وواحد من حملتهم، لأنه لم يكن منهم، وكان صادقاً في قوله: إن الجنة حجبوا عن السماء، وبطلت الكهانة وجاءت النبوة، ولولا ذلك لقالوا: ما ذكرنا أنهم لم يقولوه وزادوا على ذلك أنهم كانوا يشاركونه في مخبراته شياطينهم، يأتونهم بمثل ما كان يأتيه به شيطانه، لو كان منهم، فكان يظهر بذلك أن الجن لم يحجبوا عن السماء، وإن الكهانة لم تبطل وسيبين للناس أنه منهم ومثلهم.
وفي انقطاع الكهانة وبطلان إمداد ما دل أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - كان صادقاً في جميع ما قال، وأن العلم كان يأتيه من عند الله على لسان الملك، ولم يكن للجن إليه سبيل.
ومنها أن نبينا - صلى الله عليه وسلّم - قد ثبت له إعلام لا يمكن إضافتها إلى الجن، نحو الماء ينبع من بين أصابعه في المحصب حتى توضأ منه ثمانون رجلاً.
والشاة التي أكل منها سبع ماية رجل وأكثر، وبقي الطعام مع ذلك بحاله.
ونحو اشتقاق القمر وغير ذلك مما لا يمكن أن يكون للجن فيه عمل.
فيثبت بهذه الإعلام صدقه، ولم يجز معها أن يضاف إليها الكهانة أو هو قد برأ منها، لأنه لو كان كاذباً في البراء بينها لما أيده الله تعالى بهذه المعجزات، وفي تأييده إياه بها، وجوب حكم للصدق والأمانة له، فصح أن الكفاية عنده مدفوعة والنبوة ثابتة وبالله التوفيق.
ومنها أن استراق السمع خيانة ونجس، وإفشاء ما يجري في الملأ الأعلى من غير أن يأذن الله تعالى فيه خيانة، كل ذلك فسق ومعصية، فصح أن الشياطين الذين منهم يقع هذا يطرأ على شياطين الإنس الذي تقع منهم السرقات وإفشاء الأسرار وهتك الحرمات.
ومعلوم أن هؤلاء إنما يسألون أمثالهم من أسرار الناس، ولا يسألون الصلحاء والبررة والأتقياء ولا يخالطونهم ولا يصحبونهم.
فدل ذلك على أن أمثالهم من الجن إنما يساكنون من الإنس الشرار والمردة وأهل الخبث والخلاعة، دون الأخبار وذوي الصلاح والأمانة والعفة.