وانتقل كتاب الله، من الإشارة إلى رجم الشياطين بالشهب في الدنيا وعقابهم بعذاب جهنم في الآخرة، إلى الحديث عن"أولياء الشياطين"من الكفار، وما ينتظرهم من العقاب الشديد والعذاب الأليم، واصفا شهيق جهنم وغيظها من كفرهم وعنادهم، واستقبال خزنتها لهم أسوأ استقبال، فقال تعالى: {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا} ، أي: صياحا، {وَهِيَ تَفُورُ} ، أي تغلي بهم، {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ} ، أي: تكاد تتمزق من شدة حنقها عليهم، {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} ،
وذلك لإقامة الحجة عليهم، {قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ} ، أي: أنهم عادوا على أنفسهم باللوم، وندموا حيث لا ينفعهم الندم.
ثم تحدث كتاب الله عن مراقبة الله في"الغيب"، تلك المراقبة الدقيقة التي لا يتم الإيمان بالغيب دونها، وهي أن ينكفّ المؤمن عن معصية الله، وإن كان لا يراه أحد، وأن يقوم بطاعة الله، وإن كان لا يشاهده أحد،"كمن دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، وكمن تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه"فاستحقا أن يكونا من"السبعة الذين يظللهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله"، كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين. وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى هنا: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} .