وانتقل كتاب الله إلى التحدث عن آثار قدرته، ومظاهر حكمته، فأشار إلى ما خلقه الله من السبع الطباق، وما تميزت به من الضبط الذي لا خلل معه، والنظام الذي لا فوضى بعده، ووجه كتاب الله الدعوة مكررة إلى الإنسان، ليتذكر"صنع الله"في السماوات، ويرى هل يكتشف في صنعه بعض النقائص والآفات، وإلى ذلك يشير قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا} ، أي: طبقات على أبعاد متفاوتة، {مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} ، أي لا عيب فيه ولا خلل ولا تنافر، {فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} ، أي: هل ترى من شقوق وخروق، {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} ، أي: مرتين، مرة بعد أخرى، {يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ} ، أي: كليل من الإعياء بعد تكرار النظر، دون اكتشاف أي نقص، {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} ، أي: زينا السماء القريبة إلى الأرض، بالكواكب والنجوم الظاهرة للعين، {وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ} ، أي: جعلنا جنس المصابيح رجوما للشياطين، وذلك في صورة"شهب"
كما جاء في سورة (الصافات: 6، 10) ، {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} ثم قال تعالى: {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} ، أي: علاوة على الشهب التي يرجم الله بها الشياطين في الدنيا أعد الله لهم في الآخرة عذاب جهنم. وتحذيرا من استعمال"علم الفلك والتنجيم"استعمالا سيئا قال قتادة:"إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال، خلقها الله زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به"وهذه الخصال الثلاث التي ذكرها قتادة لا تمنع وجود خصال أخرى وأسرار كبرى يكشف الله عنها لمن يشاء، في الوقت الذي يشاء.