ومن أعلامه: أن أبا قتادة بن ربعي جاءه يوم أحد وقد انقلعت إحدى عينيه وتعلقت على وجهه فقال يا رسول الله صلى الله تعالى عليك إن لي امرأة وأخشى أن يقضي هذا عندها فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضعها فكانت أحسن عينيه.
ومثله ما رواه عروة بن الزبير أن زبيرة أسلمت فأصيب بصرها فقالوا لها أصابك اللات والعزى فرد الله عليها بصرها فقال عظماء قريش: لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقتنا إليه زبيرة فأنزل الله تعالى: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ) .
ومن أعلامه: أن جرهدا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يديه طبق فأدنى يده الشمال ليأكل وكانت اليمنى مصابة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل باليمنى» فقال: يا رسول الله إنها مصابة، فنفث عليها فما اشتكاها بعد إلى ساعته.
وأبصر رجلا يأكل بشماله فقال: «كل بيمينك» ، فقال: لا أستطيع.
فقال: «لا استطعت» فما وصلت إلى فيه بعد وكان كلما رفع اللقمة إلى فيه ذهبت في شق آخر.
ومن أعلامه: شاة أم معبد الخزاعية وكانت مجهودة عجفاء وضراء فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرعها فدرت لبنا وامتلأت سمنا وبقيت على حالها إلى أن وافاها أجلها وأهدت له أم شريك عكة فيها سمن فأخذ منه شيئا ورد العكة عليها فلم تزل العكة تصب سمنا مدة طويلة، إلى أمثال هذا ونظائره.
فإن قيل: لا يثبت إعجاز النبوّات بمثل هذا من أخبار الآحاد فعنه جوابان:
أحدهما: أن رواة الآحاد قد أضافوه إليه في جمع كثير قد شاهدوه وسمعوا راويه فصدقوه ولم يكذبوه وفي الممتنع إمساك العدد الكثير عن رد الكذب كما يمتنع افتعالهم للكذب ولئن جاز اتفاقهم على الصدق مع الكثرة والافتراق وامتنع اتفاقهم على الكذب فلأن دواعي الصدق عامة متناصرة ودواعي الكذب خاصة متنافرة، ولذلك كان صدق أكذب الناس أكثر من كذبه لأنه لا يجد من الصدق بدا ويجد من الكذب بدا.
والثاني: أنها أخبار وردت من طرق شتى وأمور متغايرة فامتنع أن يكون جميعها كذبا وإن كان في آحادها مجوز فصار مجموعها من التواتر ومفترقها من الآحاد فصار متواتر مجموعها حجة وإن قصر مفترق آحادها عن الحجة والله تعالى أعلم.